ارشيف من :أخبار لبنانية
’المستقبل’: أزمات داخلية متشعّبة وحسابات فاشلة
شكّلت الأزمات الداخلية المستفحلة في تيار "المستقبل" موضوعًا رئيسًا في المقالات الواردة في صحيفتي "الأخبار" و"السفير".
"السفير" نقلت عن أحد القياديين في "المستقبل" قوله في مجلس خاص "لم نعد قادرين على إقناع جمهورنا بأي فكرة، ما يجعل التخبط سيد الموقف في كثير من القضايا، وكان آخرها بعض المواقف المتناقضة من الحراك المدني في ساحة الشهداء ومن أزمة النفايات".
هذا الاعتراف لا يأتي من فراغ، بل إن ذاك القيادي كان منسجما مع نفسه الى أبعد الحدود، وأراد في تلك الجلسة التي ضمت قياديين آخرين، توصيف الواقع الذي يتخبط فيه "تيار المستقبل" بصدق وشفافية، ولا سيما أن الهوة بدأت تتسع بينه وبين قاعدته الشعبية بسبب التناقضات السياسية الكثيرة التي طبعت مسيرته خلال الأعوام الماضية، وتحديدا منذ اتفاق "س ـ س"، وتخليه عن كثير من المبادئ والثوابت والمسلمات التي كان نادى بها، وقام بتوريط كثير من مناصريه في سبيل تحقيقها، قبل أن يتراجع عنها ويتخلى عنهم، وذلك تحت عنوان "الحفاظ على الاستقرار".
وتشير "السفير" إلى "اعتراف مستقبلي ضمني بأن "التيار الأزرق" وصل الى حالة من الضعف لم يبلغها من قبل، لذلك فإنه بات يفتش عن أية خشبة خلاص يمكن أن تنهض به من كبوته، خصوصا بعدما أغلقت كل الأبواب المحلية والاقليمية بوجهه، ولا سيما الباب السعودي المفتوح فقط على أزمة اليمن.
ويمكن القول إن هذا الضعف بدأ يبرز شيئًا فشيئًا في ملامح المنظومة المستقبلية التي بدأت تفقد تماسكها، لجهة خروج كثير من القيادات والوزراء والنواب عن الالتزام بتوجهات الرئيس سعد الحريري، أو بالمواقف الصادرة عن الكتلة النيابية، فضلا عن تنامي صراع النفوذ بين القيادات الزرقاء من صيدا مرورا الى بيروت وصولا الى طرابلس وعكار، وترجمته عبر خلافات وتجاذبات لم تعد خافية على أحد، إضافة إلى قيام كل منهم بالتغريد ضمن السرب الذي يناسبه، والتفتيش عن شعبوية تستطيع تحسين حضوره في المنطقة التي يمثلها.. ولو كان ذلك على حساب القرارات التي تتخذها قيادة "المستقبل"، على ما جاء في "السفير"
وقد بدأ التخبط يظهر بوضوح في كيفية التعاطي مع كثير من القضايا المطروحة على الساحة اللبنانية، وفي مقدمتها الحوار مع حزب الله وما يتعرض له من هجوم مبرمج من قبل بعض قيادات الصف الأول في التيار، ومحاولة هؤلاء الشغب على الحوار الذي دعا إليه الرئيس نبيه بري بالرغم من إعلان الرئيس الحريري عن دعمه له، تقول الصحيفة.
ويرى القيادي المستقبلي، كما تنقل "السفير"، أن تراجع وضعف تيار "المستقبل" مرده الى عدة أسباب أبرزها:
أولا، عدم اعتماد التيار للصيغة التي يعتمدها العماد ميشال عون في المطالبة بحقوق طائفته، وتعريض البلد لخطر الانقسام عند كل مناسبة، وتمسك التيار بفكرة "العبور من الطوائف الى الدولة ومؤسساتها الشرعية".
ثانيا، الأزمة المالية المستمرة والتي تضغط يوما بعد يوم على التيار، من دون أن يكون لها أي أفق قريب للحل، مع التذكير بأن «المال يخفي العيوب»، ويدفع الى الالتزام التام، وأن «الطفر يولد النقار» ويدفع البعض الى التفتيش عن مصالحهم.
ثالثا، عدم قدرة التيار على تحقيق أي انتصار في المعارك التي خاضها من أجل تثبيت طروحاته وأفكاره.
رابعا، دخول التيار في تناقضات سياسية بدءا من اتفاق "س ـ س" وصولا الى الحوار مع حزب الله.
خامسا، الحراك المدني الذي أضعف المنظومة السياسية القائمة في لبنان.
ولا يخفي القيادي المستقبلي أن كثيرًا من قيادات المستقبل بدأت تشعر بأنها مستفردة ولا يوجد من يسأل عنها، فالرئيس الحريري خارج لبنان، والصف الأول من بعده غارق في خلافاته، والمال غير متوفر الى أجل غير مسمى، والسعودية غارقة في "عاصفة الحزم"، في حين أن كل الامكانات متوفرة لدى خصومنا.. من المال الى السلاح الى الالتزام الشعبي.

تيار "المستقبل"
بدورها، ذكرت "الأخبار" أن أحد أبرز قياديي تيار "المستقبل" حذّر قبل أسابيع من ارتدادات الأزمة المالية التي يعاني منها الرئيس سعد الحريري على المؤسسات التابعة له، متوقّعًا مع "دخول الأزمة شهرها السابع" أن "تفلت الأمور ونبدأ تلمّس الاهتزازات الداخلية التي سيصعب علينا تهدئتها".
وبالفعل، مع بداية أيلول الجاري بدأ التململ بين موظّفي المؤسسات الحريرية بالظهور بعدما تكرّرت الوعود بحلول قريبة لا تأتي أبدًا. "وبعدين؟"، يسأل أحد كبار هؤلاء، مشيرًا إلى أن المعنيين في هذه المؤسسات لا يجدون ما يجيبون به الموظفين الذين "يسألون عن أوان الفرج بعدما باتوا يشعرون بأنهم يعملون بالسخرة، ولم يعودوا قادرين على السكوت بحجّة الولاء"، خصوصًا "أننا على أبواب عام دراسي جديد والناس يعيشون في ضائقة شديدة".
الخشية في تيار المستقبل هي في أن يخرج التململ الخافت إلى العلن، بعدما تردّد أن تحركًا سيقوده الموظفون على شكل احتجاجات للمطالبة بمستحقاتهم والتعبير عن غضبهم، خصوصًا أن أحدًا من مسؤولي التيار "لم يجتمع بهم ويضعهم في أجواء الأزمة، ويصارحهم بما إذا كانت هناك حلول قريبة. لا بل إن غالبية مسؤوليهم تتعمّد التواري عن الأنظار لعدم امتلاك هؤلاء معلومات مؤكّدة أو طمأنات من شأنها تهدئتهم"، بحسب ما يؤكّد المصدر نفسه.
أمام هذه الأجواء السلبية، وجد الرئيس الحريري نفسه مضطرًا إلى الدخول على خط الطمأنات مباشرة. فقد علمت "الأخبار" أن الحريري تحدث منذ أيام، عبر "سكايب"، إلى عدد من المديرين والكوادر في المؤسسات الإعلامية والتنسيقيات، وأكّد لهم أن "الفرج بات قريبًا"، مثمّنًا لهم "تحمّلهم الأزمة المالية معه". وشدّد الحريري على أن "مؤسسات التيار لن تقفل، على عكس كل الشائعات التي تُطلق كي تقلّل من عزيمة جمهورنا ومناصرينا، وهي ستستمر في مسيرتها وستعود أقوى مما كانت".
أحد النواب البارزين في التيار، من الدائرة الضيقة المحيطة بالحريري، أكّد لـ"الأخبار" قرب انفراج الأزمة، "ومع نهاية الشهر الجاري سيكون الحريري قد وفى كل ديونه، ودفع لموظفيه كل مستحقاتهم المتأخرة".
وأشار إلى "اجتماع عقده الحريري مع المعنيين، قرّر إثره تكليف مستشاره الإعلامي هاني حمود اللقاء بعدد من مديري الأقسام داخل المؤسسات الزرقاء، في بيت الوسط، بهدف وضعهم في صورة التطورات السياسية في لبنان والمملكة العربية السعودية، وما يتعلق بالأزمة المادية".
وفي مقال آخر في "الأخبار"، تشير الصحيفة إلى أن غياب الحريري طال الى حد سمح لحلفائه في قوى 14 آذار بـ"التجرؤ" على الطلب من المملكة ألا يكون دعمها وتواصلها معهم عبر الشيخ سعد. هذا، على الأقل، ما كشفته إحدى وثائق "ويكيليكس" عن الوزير بطرس حرب الذي تمنى أن يكون دعم التجمع السياسي المستقل الذي أراد إنشاءه من خارج القناة الحريرية. أما رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، فقد قطع في ذلك أشواطاً، حتى باتت تُفتح أمامه القصور الملكية بعيداً عن المقيم في المملكة.
ليس غياب الحريري فقط ما حمل عمّته النائب بهية الحريري على المداومة في عرينه والجلوس على كرسيه الفارغ في بيت الوسط، في محاولة منها لانقاذ ما يمكن انقاذه. استثمارها في مشروع تأهيل نجليها الوحيدين، نادر وأحمد، لتكون لهما حيثية سياسية وشعبية لم ينجح. لم يستطع نادر أن يضيف إلى سجله أكثر من لقب "مدير مكتب الرئيس سعد الحريري".
وفي هذا السياق، تفيد الصحيفة أن الأخير حاول سحب ملف دار الفتوى من الرئيس فؤاد السنيورة، إلا أنه لم يصمد معه شهرًا واحدًا. أما الأمين العام لتيار المستقبل، فقد زاد من تضعضع صفوف التيار. آخر إخفاقاته سُجِّل في الشمال، برغم أنه يوصف، داخل التيار، بـ "مختار الشمال". بالكاد، فاز عدد من مرشحي المستقبل في انتخابات المجلس الشرعي الأعلى والأوقاف في عكار وطرابلس بعد توقف المساعدات وغياب دور النواب والمنسقين والكوادر. إخفاق الحريري شمالًا حيث قاطع مستقبليون كثر زياراته، تكرر في البقاع وإقليم الخروب. المصادر كشفت أن «أم نادر» قررت متابعة شؤون التيار بنفسها والإشراف على عمل منسقي المناطق والكوادر.
بعض المقربين وجدوا في تقسيم الحريري وقتها بين صيدا وبيروت "هروبًا من أزماتها الصيداوية المتتالية". آخرها، ما يتحدث به البعض عن "انفضاح تهريب نفايات بيروت إلى صيدا بعدما تغنت الحريري بحسن إدارة معمل معالجة النفايات". فقد ثبت بالصوت والصورة أن شاحنات النفايات تحاول التسلل تحت جنح الظلام إلى محيط المعمل، كما ثبت أن كميات كبيرة من النفايات ترمى في الحوض البحري كما هي من دون معالجة.
تُضاف الى كل هذه الأزمات عودة حوالي 800 موظف إلى لبنان على نحو تدريجي، حتى نهاية العام الجاري، بعد صرفهم من "سعودي أوجيه"، معظمهم من البيئة الحاضنة في صيدا وإقليم الخروب. كيف سيواجه آل الحريري نقمة عائلات هؤلاء ويحتفظون بولائهم وبولاء الموظفين في مؤسساتهم من مجدليون إلى تلفزيون المستقبل الذين لا يقبضون رواتبهم؟ حاولت "الست بهية" استباق الأمر. طارت الى باريس والتقت الشيخ سعد، لكنها فشلت لأن الأزمة المالية أكبر من الجميع، وهي خطيرة الى درجة أن دارة مجدليون عاجزة عن تسديد 200 مليون ليرة مستحقة لسوبر ماركت في صيدا، بدل ألبان وأجبان ولحوم!.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018