ارشيف من :أخبار عالمية
تاريخ المآتم (الحسينيات) في البحرين
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية
بدأ الباحث التراثي يوسف النشابة محاضرته في نادي باربار الرياضي مساء الاثنين (12 أكتوبر/ تشرين الأول 2015)، بطرح سؤال على الحضور: متى كان أول مأتم للأحزان في الأرض؟ وأجاب: في بيت أبينا آدم (ع)، بعد مقتل هابيل على يد أخيه قابيل، وكانت أمهما حواء أول المفجوعات الثاكلات.
الباحث النشابة خريج المعهد العالي للمعلمين، درس في بريطانيا، وعمل اختصاصي مناهج بوزارة التربية والتعليم، وكاتب قصة قصيرة وباحثاً في التراث، وكتب في العديد من المجلات البحرينية والخليجية، وله عشرة كتب مطبوعة، مع ديوانَيْ شعرٍ، أحدهما بالانجليزية، كما إنه عضو مؤسس بمسرح أوال، وعضو في جمعيتي «تاريخ وآثار البحرين» و«خزّافي البحرين». هذه الاهتمامات الكثيرة تنعكس على طريقة طرحه المتنوعة بما يشبه «الكشكول».
مقتل هابيل قد يكون بداية جلسات التعزية في التاريخ، التي تعدّدت بتعدد المعارك والمجازر في التاريخ، التي وصلنا بعضها فيما ضاع بعضها الآخر في مطاوي النسيان. وفي التاريخ الإسلامي، تبرز واقعة كربلاء (61 هـ, 680 م)، التي تركت ندوباً عميقة في الوجدان الإسلامي. فبعد انتهاء هذه المعركة غير المتكافئة، سيقت قافلة السبايا إلى الكوفة، وهناك عقد أحفاد وبنات الرسول (ص) أول مأتمٍ لنعي الشهداء، ولحقه مأتمٌ آخر في الشام، في قلب عاصمة الخلافة الأموية، بالقرب من قصر الطاغية يزيد.
فكرة إحياء الذكرى تطوّرت بمباركة أئمة أهل البيت النبوي الشريف، وبحضورهم وتشجيعهم كان الشعراء يلقون قصائدهم ومرثياتهم على الجمهور، وأحياناً كانت تتم على قبور الشهداء في كربلاء نفسها.
الفكرة أخذت بعداً أوسع في ظل الدولة الفاطمية (969 - 1172 م)، التي قامت أولاً في تونس وتمدّدت إلى مصر واستمرت حوالي ثلاثة قرون، كما شهدت الدولة البويهية في العراق (933 - 1066 م)، والحمدانية في الشام (890 - 1004 م) ممارسة شعائر مماثلة. أما أول حسينية، أو مأتمٍ مستقلٍّ فقد تأسّس في القاهرة أيام المعز لدين الله الفاطمي (953 - 975 م)، حيث كان يُعلَّق «السواد» وتُعطّل الأسواق وتخرج المواكب في العاشر من محرم، حزناً على آل الرسول، حيث عُرف المصريون بحبّهم الشديد لآل البيت.
في ظل هذه البيئة، تطورت تلك الثقافة الأصيلة الغنية بالبلاغة والأدب، التي عُرفت بـ «أدب الطف»، من شعر ونثر، وباللغتين العامية والفصحى، فضلاً عن اللغات الأخرى كالفارسية والتركية والأوردية. بل إن أكبر وأشهر شعراء العربية كتبوا قصائد أو أبياتاً في هذا الباب، مثل دعبل الخزاعي، الكميت، الفرزدق، أبوفراس الحمداني، أبوالعلاء المعري، ابن الرومي، الشريف الرضي، فضلاً عن أسماء كبيرة أخرى مثل صعصعة بن صوحان العبدي، سليمان بن صرد الخزاعي، وأبو الأسود الدؤلي.
في البحرين، تظهر أسماء بارزة مثل الشيخ حسن الدمستاني (توفي 1759 م)، الشيخ جعفر الخطي (توفي 1618 م)، الشيخ سليمان الماحوزي (توفي 1709 م)، والملا عطية الجمري (توفي 1981 م)، ومئات الشعراء والخطباء والرواديد. كما كانت للبحرين طريقة متميزة في القراءة الحسينية، عُرفت بـ«الطور البحراني»، المحبّب لدى العراقيين. وكانت المآتم في الأيام الخوالي، تقام في مجالس بيوت الوجهاء في المنامة أو مختار القرية، المبنية من سعف النخيل، ثم انتقل إلى عريش خاص مع زيادة أعداد المعزّين. وكان المنبر يُتّخذ من جذوع النخل، لعدم توافر الخشب أو النجارين، لصنعه في حالته التي نعرفها حاليّاً. (يذكر النشابة أنه لم يكن هناك نجارون وإنّما قلافون لصناعة السفن قبل كساد تجارة اللؤلؤ).
الباحث النشابة يكشف أن إحياء يوم الأربعين يعود إلى عادة قديمة كان يمارسها الفراعنة في مصر القديمة، حيث يحتاج أهالي الميت لتحنيطه قبل دفنه، وكانت مواد التحنيط تحتاج إلى 40 يوماً لتعطي مفعولها لحفظ الجثمان قبل نقله إلى مثواه الأخير. هذه العادة انتقلت إلى الديانة المسيحية، ومن ثم مارسها المسلمون في مصر، حيث كان أهل المتوفى يتلقون التعازي مرتين، يوم الوفاة وبعد الدفن، أي بعد أربعين يوماً.
أما «أربعينية الحسين»، فتعود إلى زيارة الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الأنصاري (رض) لقبر الحسين (ع) بعد أربعين يوماً من مقتله، فغدت هذه الزيارة تقليداً يمارس سنويّاً.
من الناحية السيكولوجية، للألوان دلالاتها لدى المجتمعات، فالأخضر يمثل البهجة والنمو، والأزرق يمثل صفاء السماء، والأصفر الحكمة، والأبيض النقاء، أما الأسود فيمثل الظلام والحزن لدى عامة الشعوب، وهو ما نراه من لون طاغٍ في هذا الموسم الحزين.
ويسرد الباحث النشابة التاريخ المدوّن لتأسيس بعض المآتم في البحرين في العصر الحديث: فمأتم المديفع تأسس سنة 1875 م، وحسينية بن خميس تأسست في 1877 م، وهي ملتقى ثقافي ديني اجتماعي، وكانت مركزاً سياسيّاً أيام هيئة الاتحاد الوطني في 1954 م.
المأتم اليوم يلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في حياة المجتمع، من النواحي الدينية والفكرية والثقافية، حيث يتلقى روّاده –صغاراً وكباراً- الثقافة والمعرفة التاريخية، في هذه الحواضن الإسلامية العريقة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018