ارشيف من :أخبار لبنانية
الجرحى: لن نغادر منطقتنا - ساندي الحايك
ساندي الحايك - صحيفة "السفير"
بصعوبة وسط التدافع والصراخ، يشق ثلاثة شبان طريقهم بين الحشود المتجمهرة في باحة مستشفى «بهمن» في الضاحية الجنوبية. يهتفون عن بعد «ما تسكر البوابة يا حاج». يقترب أحدهم من «حراس» الباب الرئيسي الموصد بإحكام أمام الجموع، ويقول منتحباً: «افتحولي ابن عمتي استشهد. خلوني شوفو لآخر مرة..».
الهلع المسيطر على المكان، فرض على إدارة المستشفى اتخاذ إجراءات مشددة، منعت الجميع من الدخول إلى حرمها. وأوصت أن تفتح الأبواب لسيارات الإسعاف التي تقل الشهداء والجرحى حصراً. لم تلق تلك التبريرات قبولاً من ذوي الشهداء. اقترب أحدهم وطرق الباب بقوة صارخاً بحرقة «افتحلي الباب.. اشفق علينا يا حاج».
من بعيد، تقترب والدة محمد قعبان بخطوات ثقيلة. المرأة الثكلى خارت قواها وهي تصرخ «ابني ابني»، فهوت أرضاً. تجمّع حولها عشرات الشبان وادخلوها سريعاً لترتاح في حضن ابنها، فيما كان الأخير يُضمد جراحه الطفيفة راسماً ابتسامةً على وجهه. ابن السنوات العشرين كان في طريقه إلى ناد رياضي عند وقوع الانفجار. يروي وهو يغمر أمّه بعينين أصابهما الهلع: «كنت عائداً من بيروت بعد زيارة خالتي، وقد قررت أن أتوجه إلى النادي مباشرة، ولكن الطريق كان ملغوماً».
وقع الانفجار أثناء مرور محمد بالقرب من الحسينية في شارع عين السكة في برج البراجنة، و «طار» عن دراجته النارية، ما أدى إلى إصابته بشظايا في رجله ويديه. وصادف وقوع الانفجار الانتحاري الثاني، بعد نحو خمس دقائق تقريباً من وقوع الانفجار الانتحاري الأول، مع مرور عبير عديسي مع زوجها وطفلها من المكان، وهم في طريقهم إلى المكتبة. تشرح كيف كان طفلها متحمساً لزيارة المكتبة. تضيف وهي تعتصر وجعاً من جرح أصابها في أسفل بطنها، أن «طفلها كان يريد اختيار لون التجليد الورقي لكتبه المدرسية، وأشكال أقلامه وألوانها. كان قد أمضى ليالي وهو يحلم بأغراضه». دخلت عبير إلى مستشفى «بهمن» في حال حرجة، وبعدما أجريت لها الإسعافات اللازمة، استقرت حالتها، وتنفست الصعداء عند اطمئنانها عن طفلها وزوجها.
أما يحي شحادة فكان يهم بمغادرة «سوبرماركت الرمال» مع عائلته عندما وقع التفجير. يحاول جاهداً أن يتذكر ما حدث لكنه يفشل. يقول: «كل ما أذكره أن زجاجاً كثيفاً انهمر فوق رؤوسنا وعندما استفقت وجدت نفسي هنا». طريح الفراش، يفكر الرجل الخمسيني بصديقه بائع الـ «اكسبريسو». يناشد راجياّ إحدى الممرضات أن تطمئنه عن حال صديقه أحمد دلباني، مكرراً على مسمعها «هيدا اخي.. طمنيني عنو».
انفجار «البرج» وقع بعد فترة من «الهدوء النسبي» الذي نعمت به الضاحية. هناك من ظنّ أن شبح التفجيرات الانتحارية زال عن المنطقة، وكفّ الإرهاب شره عن أبنائها. ظنّ البعض أنه يَئس، بعدما أثبتت الضاحية قدرتها على الصمود طويلاً. ليعود أمس ويضرب شرياناً نابضاً من شرايينها في ساعة الذروة، وذلك بعد يوم من إحياء أهالي الضاحية «يوم الشهيد»، مستذكرين شهداءهم الذين قضوا على طريق المقاومة والتحرير، ومعهم شهداء التفجيرات الإرهابية في بئر العبد، والرويس، والشارع العريض، والطيونة، وبئر حسن.
هي ليلة دموية عادت فيها رائحة الدم وأجواء الحزن المترافق مع الكثير من الغضب، لتلفّ أجواء الضاحية ومستشفياتها، فالإنفجاران وقعا في أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان، وفي أكثر الشوارع حركة، انقلب الحجر على البشر. لكن لسان حال جرحى التفجيرين ظل كما كان قبل نقلهم إلى المستشفى، وقد عبّر عنه شقيق أحد الجرحى قائلاً: «لا بديل لنا عن خيار المقاومة، ومهما ازدادت التفجيرات لن نخاف ولن نغادر الضاحية».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018