ارشيف من :أخبار لبنانية
الإرهاب في قلب فرنسا: نحن خلقنا الوحش! - حسن عبد الله
الإرهاب في قلب فرنسا: نحن خلقنا الوحش! - حسن عبد الله
حسن عبد الله - صحيفة "السفير"
سيكشف الزلزال الذي ضرب باريس عن الخبايا والأسرار التي رافقت ظهور «داعش» وتنظيمات مشابهة. وإذا كانت هجمات «داعش» في باريس قد فتحت أبواب الجحيم على الفرنسيين بحسب وصف الكثير من الصحافيين والسياسيين، فإن ارتدادات التفجيرات على المستويين السياسي والأخلاقي وعلى صعيد أروقة العمل الأمني تنذر بتداعيات لا تُحمد عقباها، أولاً على مستقبل الإدارة الفرنسية، ثانياً على الضمير الجمعي الفرنسي الذي لا يستكين أمام فضائح قد تطال مبادئ الجمهورية وأسسها.
آلان شوْوة (alin choueht)، المدير السابق لجهاز المخابرات والأمن الفرنسي، أعادته وسائل الإعلام إلى مسرح الأحداث ونقلت ما كان قد حذّر منه حول تحالف فرنسا منذ ثلاثين سنة مع رعاة ظاهرة الإرهاب، وهو كان قد قال في مقابلة نادرة منذ أربعة أشهر، إن ما نسمّيه «السلفية» هو باللغة العربية «الوهابية» وقد تعاملنا مع هذا الموضوع بازدواجية.
أحجار الدومينو تتدحرج في ما خصّ مسؤولية فرنسا وبعض الدول الغربية عن خلق ظروف نمو «داعش» وأخواته من التنظيمات الإرهابية. تشهد السجالات والنقاشات على حجم القلق والغضب اللذين يخترقان المجتمع الفرنسي. نويل مامير سياسي فرنسي ونائب ناشط من جماعة الخضر يوضح أن وجود تنظيم «داعش» ليس وليد الصدفة، ويقول إنه نتاج معركة طويلة خاضتها القوى الكبرى والاقتصادات البترولية الكبيرة للسيطرة على الاقتصاد. يستنتج السياسي الفرنسي بأن «داعش» وُلد من الفوضى التي ساهمت فرنسا والدول الغربية في خلقها، وينهي استنتاجه بالقول: «الوحش داعش أفلت منّا، وها هو أتى ليفترس أولادنا. لقد خلقناه».
هذه الاعترافات وغيرها مما ستظهره الأيام المقبلة، بعد أن يجفّ الدم في باريس، ستعيد تظهير الحقائق التي لطالما عملت دوائر الاستخبارات على إخفائها أو تحويرها بحسب ما كتبت شخصيات ووسائل إعلام ومراكز أبحاث كانت تحاول الاعتراض على الاستراتيجية التي سمــــحت بظهور التنظــــيمات الإرهــابية والمتطرفة بدءاً من ليبــــيا وانتهاء بسوريا.
كزافيه روفيه متخصص بعلم الجريمة يقول إن وراء «داعش» جيش من المبشّرين، ربما هناك دولة.. ويضيف بأن مسؤولين كباراً من العائلة السعودية أسرّوا له بأنهم قطعوا صلتهم بـ «داعش» قبل سنتين فقط. لا يحيد عن هذه الاتهامات رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان حين يقول إن دولاً مثل دول الخليج غذّت «داعش».
أسئلة الفرنسيين، وهم الآن في مواجهة أسوأ أنواع الإرهاب داخل شوارعهم ومنازلهم ومطاعمهم، سوف تتصاعد. يكفي الاطلاع على وسائل التواصل الاجتماعي حتى نكتشف المرارة التي يتحدث بها الكثيرون من الأوساط الجامعية والبحثية والإعلامية وتدور في معظمها عما إذا كان بإمكان فرنسا تفادي الوصول إلى حافة الهاوية والاضطرار إلى القتال داخل بيتها ودفع الأثمان الهائلة. أسئلة من نوع لماذا وصلنا إلى هنا ومَن المسؤول عن نمو الإرهاب ومَن أخطأ في الحسابات؟ مَن دعَمْنا في الصراعات المتفرقة في الشرق الأوسط وهل تحالفاتنا كانت صائبة؟
تكفي متابعة السجال غير المسبوق بين رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس والنائبة عن الجبهة الوطنية مارشال لوبن داخل مجلس النواب لتبين حجم التوتر والغضب حتى على مستوى مَن يفترض بهم ترجمة دعواتهم للوحدة في مواجهة الإرهاب. اتهامات النائبة لوبن لحكومة هولاند بالتسبّب بكل هذه الفوضى واستغلال ما يجري لتحقيق مصلحة سياسية يردّ عليها فالس بعنف وانفعال متهماً «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرّف بالغش والخداع.
هذه عيّنة من المناخ السياسي الذي يسود العاصمة الفرنسية التي أعلنت الحرب على «داعش» وفرضت حال الطوارئ من دون أن تفسّر للفرنسيين في أي اتجاه ستقودهم في المواجهة المفتوحة مع الإرهاب، في وقت بدأت فيه نُذُر انفلات التعصب والكراهية من قبل اليـــمين المتطرف ضد المسـلمين والعرب. وهذه قضية أخرى سيكون لها التأثير الأشدّ مرارة على التاريخ الذي يصنعه الفرنسيون بدءاً من 13 تشرين الثاني.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018