ارشيف من :أخبار عالمية
كل الطرق تؤدي الى ’كربلاء’..وكل الحناجر تردد ’واحسيناه’
صور مدهشة، ومشاهد عجيبة، ومواقف استثنائية، وسلوكيات فريدة، تلك التي يراها ويسمعها ويلمسها من يشارك في مسيرة العشق الحسيني، او قل ماراتون العشق الحسيني المليوني، او من يتابع وقائعها من قريب.
قد تبدو تلك الصور والمشاهد والمواقف والسلوكيات مكررة من أعوام سابقة.
ربما كانت في إطارها العام كذلك، إلا أنه في كل عام هناك ما هو جديد، سواء على صعيد الكم، او على مستوى النوع. ما يجعل المرء يقف في كثير من الأحيان مشدودا ومشدوها ويتساءل عن حقيقة ودلالات ما يراه ويسمعه ويلمسه، ليأتيه الجواب سريعا من اعماق وجدانه.. انها عظمة الامام الحسين عليه السلام التي تجلت باوضح صورها ومعانيها في العاشر من محرم الحرام قبل الف وثلاثمئة وستة وسبعين عاما على أرض الطف الخالدة.

كل الطرق تؤدي الى كربلاء
اذا قلنا "ان كل الطرق تؤدي الى كربلاء"، فمثل هذا القول يعكس الواقع بدقة وعمق، وهو ليس قولا مجازيا، او توصيفا عاطفيا وبلاغيا.

في الطريق الرئيس الممتد من بغداد الى كربلاء (110 كم)، وفي الطريق الممتد من النجف الى كربلاء (80 كم)، وفي الطريق الممتد من بابل الى كربلاء (40 كم)، لا يشاهد المرء الا حشودا بشرية هائلة، تمثل سلسلة لا انقطاع لها، وهكذا بالنسبة للطرق الواصلة بين مختلف محافظات ومدن الجنوب والفرات الاوسط، بدءا من البصرة في اقصى الجنوب، مرورا بميسان وذي قار والمثنى وواسط.
ولايختلف الحال كثيرا عن الطرق والمسالك التي تخترق المناطق الريفية الزراعية، حيث الاعداد الهائلة من الزوار ومواكب الخدمة التي تقدم كل شيء من طعام وشراب ومنامة وعلاج، لأسابيع عدة.
لا نبالغ اذا قلنا، انه لم يخلُ شارع او زقاق صغير، او طريق زراعي يؤدي الى كربلاء من اناس يسيرون نحو مرقد الامام الحسين عليه السلام.
الجميع الى كربلاء
وهذه الحشود المليونية المشاركة في ماراتون العشق الحسيني، شملت كل فئات وشرائح المجتمع، فالمراقب والمتابع يشاهد اعدادا لا يستهان بها من الاطفال الصغار واليافعين، الى جانب النساء، ويشاهد الشيوخ من كبار السن الى جانب الشباب، ويشاهد المعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة، ممن جاء بعضهم على كرسيه المتحرك، وبعضهم الاخر يتكئ على عكازه.

وبين تلك الحشود المليونية الهائلة، تجد رجل الدين، والطبيب والمهندس والاعلامي والتاجر والكاسب والموظف الحكومي والفنان والسياسي، دون ان تستطيع التفريق والتمييز فيما بينهم. لانهم انصهروا في بوتقة واحدة، هي بوتقة حب الحسين عليه السلام، وساروا في طريق واحد، وتناولوا الطعام والشراب نفسه، وناموا في الخيم والفرش ذاتها، ورفعوا الرايات عينها.
عشرون مليون شخص، ربما اقل من ذلك، او اكثر، ولا شك انه رقم كبير جدا، مقارنة بأكبر تجمع ديني – وحتى غير ديني في العالم - والمتمثل بشعيرة الحج السنوي، الذي لا يتجاوز عدد المشاركين فيه الثلاثة ملايين شخص في افضل الاحوال.
والمفارقة الجميلة، هو انه بينما غصت كربلاء بأحيائها وشوارعها وازقتها وبيوتها وفنادقها بالوافدين من كل حدب وصوب، خلت مدن ومحافظات عديدة من سكانها، حتى بدت وكأنها مهجورة ومقفرة.
رسالة الحسين(ع) الانسانية-العالمية
ومخطئ من يقول ان الامام الحسين ضحى بأغلى ما يملك من اجل فئة معينة، بل انه ضحى من اجل الانسانية جمعاء، ورسخ بتضحيته قيما ومبادئ سامية اصبحت منارات يهتدي به الثائرون وكل دعاة الحرية، والساعون الى تكريس قيم العدل والصلاح ونبذ الفساد والرذيلة والتحلل والظلم والطغيان.

وهذا ما سمعناه من اناس ينتمون الى المذهب السني، ومن المسيحيين والصابئة، والأكراد والإيزيديين، الذين نصبوا المواكب ليقدموا الخدمة للزائرين، او تركوا بيوتهم وعطلوا اعمالهم ومصالحهم ليشاركوا في ماراتون العشق الحسيني.
واشارت احصاءات غير رسمية الى ان عدد مواكب الخدمة الحسينية لغير المسلمين، ولغير اتباع مذهب اهل البيت عليهم السلام، تجاوزت خمسمئة موكب، وهو بلا شك عدد كبير، يعكس اثر الثورة الحسينية في نفوس الناس على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم الدينية والمذهبية والفكرية، بعيدا عن التعصب والانغلاق والتطرف الذي يتبناه ويروج له ادعياء الاسلام واصحاب النهج التكفيري المتشدد.
حضور مرجعي وعلمائي متميز
وكان للمرجعيات الدينية حضورها ومشاركتها في مسير العشق الحسيني الى جانب ملايين الزوار، فالمرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم شارك زوار الامام الحسين طريقهم من النجف الى كربلاء رغم تقدمه في السن ووضعه الصحي الصعب، وكما وشارك الشيخان بشير النجفي واسحاق الفياض.

اضف الى ذلك فإن شخصيات سياسية كبيرة حضرت ملبية دعوة الحسين عليه السلام، من بينها، رئيس الوزراء حيدر العبادي، ورئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي عمار الحكيم، وزعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، ووزير النفط عادل عبد المهدي، وغيرهم.
والملاحظ هذا العام ان المظاهر الحزبية والسياسية تكاد تكون قد اختفت بالكامل خلال الزيارة الاربعينية، مثلما وجهت المرجعية الدينية في النجف الاشرف على لسان معتمدها وخطيب جمعة كربلاء المقدسة السيد احمد الصافي، في وقت انتشرت مكاتب التوجيه والارشاد الديني المترابط بالمرجعيات الدينية في مختلف الاماكن الى جانب مواكب الخدمة، وذلك لحث الزائرين على الالتزام بالفرائض اليومية، والضوابط الشرعية، وعكس صورة مشرقة وناصعة عن سلوك وثقافة محبي الامام الحسين الى العالم اجمع.
اعداد كبيرة من الزوار الاجانب
إلى جانب ملايين الزوار من العراقيين، شارك اكثر من ثلاثة ملايين زائر اجنبي من ستين دولة، فقد قدم من الجمهورية الاسلامية الايرانية الى العراق اكثر من مليوني زائر، بعضهم جاء للمرة الاولى، وبعضهم الاخر، جاء للمرة الثانية او الثالثة.
وهناك زوار من باكستان وافغانستان والهند ودول الخليج العربية ولبنان ومصر ودول المغرب العربي وافريقيا واوروبا واميركا واستراليا.
والزوار الذين جاءوا سابقا يؤكدون ان حب الحسين يجعلهم لاريكتفون بالزيارة لمرة واحدة او مرتين او ثلاث، او حتى عشر مرات، والزوار الذين جاءوا للمرة الاولى يجدون انفسهم عاجزين عن التعبير عما يختلج في نفوسهم من مشاعر واحاسيس.

وبما ان عدد الزوار الايرانيين كان كبيرا جدا، وبحكم الجوار الجغرافي، بادرت الجمهورية الى المساهمة في عمليات نقل الزوار عبر توفير وسائط النقل (الحافلات)، وكذلك ساهمت بلدية طهران في الجهد الخدمي المتمثل بتنظيف محافظة كربلاء، علما ان عشرات الايرانيين-ان لم يكن المئات او الالاف-وهم من نخب المجتمع، تواجدوا الى جانب منتسبي الدوائر البلدية، ليشاركوا في تنظيف مدينة كربلاء، في اطار التعاون والتنسيق بين الدوائر البلدية العراقية وبلدية طهران.
اضف الى ذلك فان الايرانيين اقاموا مواكب لتقديم الخدمة للزائرين الى جانب مواكب الخدمة العراقية، لا سيما في المدن والمناطق التي يمر بها الزوار الايرانيون كميسان وواسط، فضلا عن بغداد وكربلاء المقدسة والنجف الاشرف.
خطة متكاملة
وقد تم منذ وقت مبكر تشكيل غرفة عمليات مشتركة من جهات حكومية متعددة، مثل وزارات النقل، والصحة، والاعمار والبلديات، والتجارة، والحكومات المحلية لكل من كربلاء والنجف وبابل، وقيادة عمليات الفرات الاوسط، وقيادة عمليات بغداد، وجهاز مكافحة الارهاب، والعتبتين الحسينية والعباسية، وهيئة المواكب الحسينية، ووضعت خطة متكاملة، لانجاح زيارة الاربعين، وتأمين الية مناسبة لنقل الزوار وخصوصا بعد اتمام مراسيم الزيارة، وقطع الطريق امام الجماعات الارهابية من التعرض للزائرين، وبالفعل حققت الخطة نسبة نجاح جيدة، وما حصل من معوقات وعراقيل واخطاء واختراقات امنية، قد يعد شيئا كبيرا اذا ما قارناه بحجم المناسبة والعدد الهائل من الناس، والمساحة الجغرافية الكبيرة لتحركهم التي شملت معظم انحاء العراق، والفترة الزمنية الطويلة نسبيا للزيارة التي امتدت لثلاثة اسابيع كاملة.

وبحسب المصادر الرسمية الحكومية شارك اكثر من مئة وعشرين الف عنصر امني، من وزارات الداخلية والدفاع وجهازي الامن الوطني والمخابرات، مضافا اليهم قوات الحشد الشعبي، والقوة الجوية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018