ارشيف من :أخبار عالمية
نبيل رجب بعد «تغيير التكتيك»... الجلوس على المقاعد الخلفية
محمود الجزيري - صحيفة الوسط البحرينية
بعد الإفراج عنه، أعلن في شهر (يوليو/ تموز2014) عن «تغيير تكتيكات حركته»، ليدشن بذلك مرحلة جديدة من سيرة الرجل الحقوقي الأبرز في منطقة الخليج العربي.
إنه رئيس مركز البحرين لحقوق الانسان نبيل رجب، الذي لمع نجمه بقوة إبان فترة السلامة الوطنية في (مارس/ آذار2011) واستمرت لثلاثة أشهر، حينها احتجبت القيادات السياسية في السجون، وتوارى كثير من الناشطين عن الأنظار، لكن رجب ظل وفياً لتعويض الغياب، ولملم الشتات في «تويتر»: «أمبا زلابية».
بدأ رجب عمله بعد تأسيس مركز البحرين لحقوق الإنسان في العام 2001 تحت ظل استاذه عبدالهادي الخواجة، وظل ملتزماً بالعمل خلف الأضواء، حتى وجد نفسه مدفوعاً للواجهة لحمل التركات التي خلَّفها له الخواجة وبقية زملائه، في أكثر الأزمات السياسية البحرينية تعقيداً كما تراها الجمعيات السياسية المعارضة.
كانت تلك إذاً، بداية جديدة لرجب الذي شرع في تدوين حكايته التي لم تكتب نهايتها حتى الآن، لكن عنوانها العريض «امتداد رجب الجماهيري يزداد»، بحسب ما قاله أمين عام جمعية الوفاق الشيخ علي سلمان (في السجن حالياً)، معتبراً إياه «حقوقيا عالميا».
تسلم رجب مسئولياته الجديدة، ولكن عبر منصات «تويتر» العابرة للزمان. وبدأ يرسم ملامح شخصيته للناس الذين بدأوا يتحلقون حول حسابه: جريء، متماسك، لاذع، يكتب بلغة فصحى وأخرى شعبية هازئة وغير متكلفة، بخلاف بعض القيادات التي تجد حرصاً كبيراً في التدقيق على ألفاظها التي ستطل بها للجماهير.
وفي ذلك، يقول رجب: «أحب أن أدخل البهجة والابتسامة في قلوب الناس، واستخدم أحياناً النقد الساخر في مداخلاتي وكتاباتي، وذلك لابعاد الناس قليلاً عن الجمود والجدية والحزن، فهم عانوا الويلات وخصوصا في الفترة الماضية، وأنا أحاول أن أعزز روح الابتسامة المعبرة عن المعنويات العالية دائماً لتتغلب على موضوع الحزن واليأس. فأنا من محبي استخدام الكلمات التقليدية والمصطلحات القديمة في خطابي مع الناس، وأذكر الاسماء التي تكاد تندثر».
وجدت هذه اللغة طريقها إلى قلوب الناس الذين وجدوا في رجب «ذخراً» للقادم من أيام حركتهم التي لما تنته بعد، وكذلك فعلت وسائل الإعلام المحلية والخارجية التي اهتمت بأخبار رجب وآرائه في القضايا المختلفة، وكان أبرزها لقاءه والناشط المصري علاء عبدالفتاح مع مؤسس موقع ويكليكس جوليان آسانج.
الطريف في شخصية رجب، أنه ورغم امتداده العالمي المتزايد، فإنه لا يجد حرجاً من صناعة المرح مع مؤيديه ومعارضيه على السواء في حسابه الذي يحضره 280 ألف متابع. وفي ذلك قصة حلوى الزلابية التي صارت دالة على شخصيته. يروي رجب «كانت المناسبة ليلة النصف من شهر رمضان العام 2011، وكانت ذكرى ولادة الإمام الحسن (ع)، حينها كان الناس يعانون كثيراً بعد مرحلة السلامة الوطنية، فكتبت انني سأذهب المنامة الليلة وسآكل الخنفروش والخبيص والزلابية، وذكرت عدداً كبيراً من الأكلات الشعبية، وجرى نقاش بشأنها وسط جو من المرح، وبعد يوم واحد كتب لي أحدهم في موقع التواصل الاجتماعي «انت ضد الحكومة والدولة، ماذا تريد؟»، فرددت عليه «أمبا زلابية»، وصارت هذه الحلاوة مرتبطة بي، وأصبح الناس يأتون بالزلابية لي في البيت من كل مكان، وأصبحت أطباق الزلابية تدخل وتخرج من بيتي، وأخاف من السكري بسببها».
«تويتر» الذي جسَرَ علاقة رجب بمريديه، نفسه قاد رجب إلى السجن غير مرة. الأولى كانت في (يونيو/ حزيران 2012)، تنفيذاً لحكم قضائي صدر بحبسه 3 أشهر، بعد أن أدانته المحكمة الصغرى الجنائية، بتهمة قذف «أهالي المحرق بألفاظ مسيئة»، والثانية في الشهر ذاته أيضاً لكن بتهمة إهانة «وزارة الداخلية»، فيما كانت الأخيرة في (أكتوبر2014) بتهمة «إهانة هيئة الجيش والداخلية».
العام 2012 كان عام اعتقالات نبيل رجب بامتياز، حيث حكمت ضده المحكمة في (أغسطس 2012) بالسجن 3سنوات ( قبل خفضها لسنتين) لكن هذه المرة على ذمة 3 قضايا لتجمهر غير مرخص. حيث ما لبث نبيل رجب الذي تشكل على «تويتر»، أن نزل على الأرض مشاركاً وداعياً إلى فعاليات مختلفة، أبرزها التحشيد للمشاركة في مسيرات في العاصمة المنامة، فيما بات يعرف بـ»مسيرات الصمود». حينها كان يعتقد رجب «ان مسيرات المنامة الواحدة تعادل عشرة في خارجها، وعشرة متظاهرين هناك عن ألف خارج العاصمة».
حركة رجب الدؤوبة مغرداً أو مشاركاً أو مسافراً، فرضت وقائع جديدة على الساحة البحرينية، ليست في ازدياد شعبية رجب فحسب، بل حتى في إعطائه مساحات أكبر في التجمعات الكبرى التي تقيمها الجمعيات السياسية، ولو كان الحديث مختلفاً عن سقوفهم السياسية. وهي حركة بالمناسبة وصل صداها إلى داخل السجن، فقد بعث الخواجة برسالة إلى رجب يعبر فيها عن فخره بما يقوم به، وقال: «ما تقوم به عملٌ عظيم، وإنك تمثّل كل الحقوقيين وراء القضبان، وإنني من وراء القضبان أفتخر بك وبما تقوم به من عمل، وأتمنى أن تبقى حراً تواصل عملك الحقوقي، وإن لا سامح الله فقدت حريتك، فإنك ستبقى دائماً مُلهماً للكثير من المناضلين لأجل حقوق الإنسان».
هكذا انطلق قطار رجب منذ 2011 وحتى 2014، قبل أن يركب سكة أخرى بـ «تكتيكات جديدة» كما عبر.
حدث ذلك في العام 2014، تحديداً بعد الإفراج عنه، منتهياً من قضاء عقوبة حبسٍ دامت سنتين بتهمة «المسيرات غير المرخصة».
أوضح رجب متحدثاً في ندوة عقدت بمجلس النائب الوفاقي السابق الشيخ حسن عيسى (موقوف حالياً) «لن أشارك في مسيرة غير مرخصة، ولن أدعو الناس للمشاركة في المنامة، ولن أغرد بما يقودني إلى السجن. ليس خوفاً، ولكن الناس الآن تحتاجني لأن أكون بالخارج معهم، ولا يريدونني داخل السجن. وهذه المرحلة بالنسبة لي مختلفة، الآن أنا أعمل بطريقة أخرى، ولكن غداً قد يتغير هذا الكلام».
تساؤلات شرعت في التقاطر حول مدى نجاح الجهات الرسمية في فرملة حركة رجب الجامحة، ولو على مستوى الشعور بخسارة العودة إلى السجن، فحراك رجب من يومها يتجه للعمل الحقوقي الخارجي، دون أن يترك التغريد على «تويتر» وإن كان بنكهة مخففة. كما اشتغل رجب على طرح بعض القضايا التي تلمح إلى رغبته في تغيير بعض «البنى الثقافية»، دون أن يحدد المفاهيم التي يعنيها.
نشر رجب غير مرةٍ ملصقات لعلماء ومفكرين يتحدثون عن ضرورة الانفتاح على الأفكار الأخرى، وكتب مغرداً «نعتقد بأننا نمتلك كامل الحقيقة، وأن افكارنا وإيديولوجياتنا هي الصحيحة والأصح، دون أن نقرأ أو نبحث في معتقدات وافكار الآخرين».
لكن ذلك لم يمنع عودة رجب إلى السجن مرة أخرة، بعد أن أيَّدت محكمة الاستئناف سجن رجب 6 أشهر بتهمة «إهانة هيئة نظامية»، قبل أن يعود إلى فضاء الحرية مرةً أخرى بعفو ملكي في (يوليو الماضي)، لأسباب «تتعلق بحالته الصحية».
خرج رجب هذه المرة بنبرة أكثر تصالحية تجاه الحكومة، لكنه نفى أن يكون ذلك «صفقة»، بل لأنه رأى أن «الخطوة إيجابية يمكن البناء عليها في تحسين الملف الحقوقي»، غير أنه سرعان ما عاد للتعبير عن «إحباطه» بعد انقطاع لقاءات التواصل مع المسئولين بمجرد الإفراج عنه.
قبل عدة أشهر، اندلع جدل واسع على صفحة رجب على «الانستغرام»، إثر صورةٍ وضعها لفتاة محجبة كُتب فوقها «العباءة الزينبية عزة وعفاف»، وعاب ما وصفه بـ»اختزال فاطمة وزينب (ع) في لبس العباءات»، وقال: «إن في ذلك تضليل للبنات عن دورهن الحقيقي»، معتبراً هذا «حال أفرزه الحجز الفكري عن إعادة إنتاج أدوار فاطمية وزينبية عصرية وفعلية وحقيقية في هذا الزمان»، مطالباً البنات بالاقتداء بفاطمة وزينب (ع) «في سلوكهن وأخلاقهن ودفعهن الباطل وليس بمجرد الحجاب».
ومع تزايد الجدل حينها، أنبرى الشيخ هاني البناء وهو عالم دين بحريني بارز للرد عليه، بقوله «فكرته قد تكون صحيحة لكن بيانه خاطئ؛ لأن فيه توهين للحجاب»، فلم يجد رجب بداً أمام كل هذا الجدل المتصاعد إلا أن يعود ويستدرك بأن «بعض الأخوة اشتبه في مداخلتي السابقة، أو ربما قد خانتني الصياغة»، مشيراً إلى أن «مداخلتي كانت تهدف إلى تسليط الضوء على نواح أخرى من شخصية فاطمة وزينب (ع)، وليس إنني ضد الحجاب. فأنا من أسرة متدينة وأفتخر بنسائنا الملتزمات بالحجاب».
هذا جدلٌ فاضت به صفحة رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان على «الانستغرام»، لكن ثمة جدل آخر أهم لربما لا يزال يدور بصمت، عن فاعلية دور رجب بعد «تغيير التكتيكات»، وهل أنه وجد في العودة إلى «المقاعد الخلفية»، نفعاً أكثر من الاندفاع إلى الواجهة... سؤالٌ سيدون رجب الإجابة عليه في قصته التي لاتزال مفتوحةً منذ أحداث 2011.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018