ارشيف من :أخبار عالمية
حركات الإصلاح السعودية في مواجهة الأمن والقضاء
بسمة حجازي - موقع شؤون خليجية
لا تزال قضية الإصلاح السياسي الشغل الشاغل للبعض، فيجددون بين فترة وأخرى الدعوة لها ويقدمونها حلاً للخلاص من آفة الفساد، التي تسببت في شلل مؤسساتي، ومن جحيم المحسوبية ومن هدر الموارد المالية، والأهم من ذلك هو خلق مشاركة شعبية فاعلة وحقيقية تضمن أن يكون للشعب قرار وقدرة على الانتخاب والمتابعة، ومن ثم المحاسبة.
منذ خمسينيات القرن الماضي، والإصلاحيون السعوديون على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية يتبنون دعوة إصلاح جذري وشامل، تتمثل في تغيير شكل الحكم من الشمولي للدستوري المؤسساتي، الذي يضمن المشاركة الشعبية في صناعة القرار، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، وتفعيل دور الجهات الرقابية بشكل أكبر. إلا أن الملاحقات والاعتقالات ومن ثم المحاكمات كانت بالمرصاد لكل من يطرح هذه الأفكار، أو يتداولها حتى في منشورات ورقية. وسأركز في هذا البحث إلى جانب سرد تاريخ الحركات الإصلاحية، على تعامل السلطات معها ابتداءً بالملاحقة والاعتقال، وانتهاءً بالأحكام القضائية ومُدد السجن أو العقوبة.
تشكلت نواة مطالب الإصلاح والانتقال لحكم دستوري من الحركة العمالية التي بدأت في الخمسينات، من خلال المطالبة بزيادة الأجور ورفض الهيمنة الأمريكية على شركة أرامكو وعلى العمال تباعًاً، ثم تطورت هذه المطالب شيئاً فشيئاً إلى أن أصبحت تطالب بالدستورية.
ورغم أن رموز الحركة العمالية كانوا قاب قوسين من تحقيق مطالبهم السياسية، فقد تم إجهاضها والتنكيل بهم واعتقالهم لمدد طويلة.
ففي عام 1953م، تم اعتقال عبد العزيز السنيد وعبد الرحمن البهيجان وناصر السعيد وبقية أعضاء اللجنة العمالية لمدة 20 يوماً، على خلفية قيادتهم للإضرابات العمالية ورئاستهم للجنة التي شكلها العمال في شركة أرامكو، كمؤسسة مدنية مصغرة للمطالبة بحقوقهم. وخرج الجميع عقب تصاعد الاحتجاجات، لكن السنيد والبهيجان نفيا إلى خارج البلاد وتحديداً إلى بيروت، ثم عادا بعفو من الملك خالد. كما تم إبعاد بقية أعضاء اللجنة العمالية آنذاك إلى مناطقهم التي قدموا منها. لم أجد في المصادر التي كتبت عن هذه الفترة ما يشير إلى أنه تمت محاكمتهم، بل تم استدعاؤهم بحجة التفاوض في مطار الظهران، إلا أنهم لم يعودوا. ولا يوجد ما يشير إلى أنهم قد كتبوا مذكرات دفوع أو حصلوا على محامٍ للترافع. ولا إشارة أيضاً إلى الجهة الحكومية التي اعتقلتهم أو سجنتهم.
وعندما تجددت موجة الإضرابات عام 1956، تم استدعاء أعضاء اللجنة لما يسمى "مكتب وكيل الأمن العام"، ومنهم عبدالرسول الجشي ومنصور اخوان ويوسف الشيخ يعقوب. ويقول سيد علي العوامي في كتابه الموسوعي "الحركة الوطنية شرق السعودية" واصفاً الاعتقال والتحقيق آنذاك، إنه تم طلبه للقاء أمير المنطقة، ومن هناك تم أخذه لمكتب الأمن ووجد اسمه مع المطلوبين عند مدير المكتب، فتم اقتياده للسجن. وتم استجوابه مبدئيًا في السجن من مدير الشرطة، ثم أخذ لاحقاً لجلسة تحقيق تكونت من مدير الأمن العام ومدير شرطة الدمام ومدير السجن. وتم استجوابه شفهياً، وتم تدوين بعض أقواله، وتم تهديده باستخدام القوة معه، ثم قام الأمن بتحويله للسجن الانفرادي لنحو أسبوعين، وكانت التهمة تتلخص في "اجتماع ونزهة وغداء لجمع من العمال وأبناء القطيف من بعض أقارب العمال القطيفيين، تخللها كلمات وقصائد".
كتب سيد علي العوامي عن سوء التعامل وحرمان السجين من حقه في النوم على فراش مريح، أو الاغتسال، أو الاختلاط بالآخرين. ثم نقل أعضاء اللجنة إلى سجن الدمام، وهناك تم وضعهم مع أصحاب السوابق الجنائية كالقتلة واللصوص ومهربي المخدرات. وتم منع الزيارة وبعض المأكولات والصحف عن أعضاء اللجنة. ويذكر العوامي أنه صدر عفو آنذاك بمناسبة عيد الأضحى، لكنه لم يشملهم. وعندما وزعت مجموعة أخرى من العمال منشورات للمطالبة بزملائهم أعضاء اللجنة تم اعتقالهم أيضاً، ثم نُقلوا جميعاً إلى "سجن العبيد" في الاحساء. وبعد فترة تم اعتقال 56 شخصاً من العمال بعد التحقيق معهم وإدانتهم بتهمة توزيع منشورات، والزج بهم في السجن نفسه سيئ السمعة، حيث لا غذاء ولا عناية طبية، مما أدى لوفاة أحد المعتقلين، ومن ثم دفنه دون إخطار أسرته، التي علمت عندما جاء أخوه بعد أشهر للزيارة فلم يجده.
قضى المساجين كل هذه الفترة بلا محاكمات، ومنعوا من كتابة الرسائل للمسؤولين، فقرروا الاضراب كنوع من الاحتجاج على الاعتقال الطويل بلا محاكمة. واستمر الاضراب لأسبوع تقريباً، لكن بلا استجابة، فاضطر المعتقلون لفك الأضراب. وبعد مدة تم الإفراج عن المعتقلين وأخذ تعهد بعدم زيارة المناطق النفطية، وتم إلزامهم بالعودة إلى مناطقهم ومدنهم بعد فترة سجن وصلت لعام ونصف.
وبعد ذلك تطورت التهم لتصبح الانتماء للشيوعية، حيث تم اعتقال جملة من الأشخاص في مناطق مختلفة من المملكة عام 1964، منهم عبد الحميد الزاير، ومنصور وعلي إخوان، وسيد علي العوامي، ومجموعة من شباب القطيف آنذاك، بالإضافة إلى يوسف الشيخ يعقوب وصالح الزيد وعبدالكريم الجهيمان ومجموعة أخرى، وبلغ إجمالي المعتقلين في هذه الحملة 31 شخصاً، وغالبيتهم أعضاء في ما يسمى "جبهة الإصلاح الوطني"، التي تتبنى إصلاحات سياسية وبرلمان منتخب ومؤسسات المجتمع المدني. حقق "جهاز المباحث" مع المتهمين– بعد اعتقالهم- عدة مرات، تخللها تعذيب لبعض المعتقلين، ومن ضمن ما تم التحقيق معهم فيه تهمة الدعوة لصياغة دستور للبلاد. وبالطبع فقد دخلوا لجلسات التحقيق دون محامين، وانتزعت منهم بعض الاعترافات تحت التهديد.
وفي عام 1965 بعد عام على اعتقال المتهمين بالشيوعية، تمت محاكمة المتهمين كل فرد على حدة، ووجه لهم الادعاء التهم نفسها التي وجهت لهم سابقاً وزاد عليها. ويذكر سيد علي العوامي أنه هو من قام بكتابة ترافعه ودفاعه بنفسه، ولم يعرف المعتقلون الحكم عليهم إلا في العام التالي عندما أذيع رسمياً في وسائل الإعلام، حيث حكم على قادة التنظيم بخمسة عشر عاماً، ومنهم سيد علي العوامي ويوسف الشيخ يعقوب، وآخرون لمدة عشر سنوات منهم صالح الزيد ومنصور إخوان، وآخرون تم الحكم عليهم بثلاث سنوات، ومنهم علي إخوان وعبد الله الحقيل، وتم الإفراج عن مجموعة أخرى منهم عبدالكريم الجهيمان. قضى معظم المعتقلين المحكومين بخمسة عشر عاماً مدة 10 سنوات تقريباً في السجن، ثم رفعت أسرهم التماسًا للملك فيصل آنذاك، وتم الإفراج قبل استكمال المدة.
كما سجن عبد العزيز بن معمر في عهد الملك فيصل 12 سنة، بعد أن وصل لمرتبة مستشار وسفير في عهد الملك سعود، بسبب ما ذُكر في بعض المصادر من وشاية طالته من بعض الوزراء والسفير الأمريكي آنذاك. خرج بن معمر من السجن كفيفاً، وعاش في عزلة تامة حتى توفي، رحمه الله.
أما ناصر السعيد الذي واجه ذات التهم، فقد خرج من البلاد عندما أحس بقرب اعتقاله، وتواترت إليه الانباء عن حكم بالإعدام، فسافر إلى مصر وانتقل منها لعدة مدن عربية، واستقر اخيراً في بيروت، وتم اختطافه من هناك عام 1977 واغتياله في حادثة يرجح أن تكون مدبرة من قبل الاستخبارات السعودية.
لم أجد في المراجع التي بحثت فيها ما يشير إلى أي حراك إصلاحي خلال حقبة الثمانينات، ويبدو أن الرخاء الاقتصادي واستقرار المنطقة وقسوة الأحكام الصادرة ضد إصلاحيي الخمسينات وما تلاها، كل ذلك قد أدت لتراجع الحراك الإصلاحي، لكنها لم تقض عليه تماماً، فما لبثت الأزمات أن عادت للظهور مجدداً، وعاد المهتمون للمطالبة بالإصلاحات السياسية التي ستضمن الثبات في وجه المتغيرات.. فهل تجاوبت الحكومة السعودية مع هذه الدعوات التي انطلقت مجدداً مع حرب الخليج الثانية؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018