ارشيف من :أخبار عالمية
حسن الترابي: صوت لم يُسكته ’جور’ النظام
رحل المفكّر السوداني الكبير حسن الترابي ورحلت معه شخصية معارضة قدّمت نموذجاً مميزاً لقائد ضمن "الحركة الإسلامية" يتميّز بانفتاحه وقراءته المبكرة لتطورات المجتمع السوداني والمخاطر التي تتهدده، ليكرّس نفسه كأحد وجوه العمل الإسلامي في العالمين العربي والإسلامي، خاصة بعد انشقاقه عن "جماعة الإخوان المسلمين" وتقديمه نموذجاً أكثر تقدماً عنهم.
وتعليقاً على رحيل المفكر الترابي، رأى الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد بان في حديث لـ"الأخبار" "أنّ حسن الترابي مثّل شخصية تغرّد خارج السرب، إن كان في السياسة، أو ضمن الحركة الإسلامية في السودان بصورة عامة، مضيفاً "إن الترابي مفكّر من داخل الحركة الإسلامية، ويوصف بالمفكر التقدمي الذي رفض البقاء ضمن (الأطر) المغلقة"، في إشارة إلى أنه بدأ مع جماعة الإخوان المسلمين، ثم خرج عنهم.

المفكّر حسن الترابي
بدوره، قال القيادي السابق في "جماعة الإخوان المسلمين" كمال الهلباوي، في حديث للصحيفة عينها "إنّ الترابي كان مؤمناً بالمشروع الإسلامي، يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، سواء عندما كان فى جبهة الميثاق الإسلامي العريضة، التي ضمّت إلى جانب الإخوان حركات وجماعات وشخصيات أخرى ممن يؤمنون بالبرنامج المشترك للجبهة، والسعي لتطبيق الشريعة، أو عندما قاد الإخوان المسلمين في السودان في السبعينيات".
وأضاف الهلباوي أنه "من منطلق معرفتي الدقيقة بالدكتور الترابي وبالحركة الإسلامية في السودان، فإنني أرى أنه كان مؤمناً بفكر الإخوان المسلمين مع الرغبة في تطويره، وتطوير مفاهيم الحركات الإسلامية الأخرى وهياكلها جميعاً". واستدرك "أقول هذا رغم أن بعض الإخوان كانوا يرتابون من توجهات الترابي الفكرية، وفتاواه، وموقفه من التربية عند الإخوان".
عام 1985، أطلق المفكّر والسياسي السوداني "الجبهة الإسلامية القومية" التي سيطرت بصورة فعلية على الحكم بعد أربع سنوات، إثر انقلاب دعمه الترابي ضد الصادق المهدي ــ رغم أنّ علاقة مصاهرة تربطهما ــ ويقول الترابي إنه "قامت حركة الإنفاذ العسكرية، واتخذت الحركة الإسلامية اسم المؤتمر الوطني، مستغنية عن ذكر الإسلام في عنوانها، لتسع المواطن غير المسلم، وغير الناشئ في سياق التيار الإسلامي".
وفي نهاية الستعينيات بدأت مرحلة الافتراق بين الترابي والبشير، ما يبين مدى مساندة المفكّر السوداني لانقلاب 1989، ورغم الوصول إلى حال الفرقة بين الرجلين، فإنّ الترابي نجح خلال التسعينيات في تقديم صورة الأب الروحي للنظام في البلاد.
في هذا الصدد، أوضح الهلباوي أنّ "كثيراً من قضايا الأمة، وخصوصاً قضية أفغانستان وفلسطين قبلها، استدعت الدكتور الترابي إلى الدعوة لإنشاء تنسيق عالمي (دولي) للحركات الإسلامية أوسع من الإخوان المسلمين والتنظيم الدولي. وقد تحقق ذلك فى قضية أفغانستان، واحتلال العراق للكويت، فاقتنع بذلك الإخوان، وشارك الراحل الكريم نجم الدين أربكان، وحزبه التركي، وكذلك الحزب الإسلامي في ماليزيا، والجماعة الإسلامية في باكستان، وتم تشكيل وفد مشترك للحيلولة دون حرب الخليج الأولى (العراق والكويت)، وكان الترابي من أبرز المشاركين فيه".
عام 1999 عاد الترابي إلى المعارضة بعد عزل البشير له، متخداً مواقف وصفت بـ"الثأرية" تجاه الأخير، من بينها مثلاً الاتفاق مع الزعيم الجنوبي جون قرنق، أو مساندته قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير عام 2009.
اعتقل الترابي غير مرة في حياته، حيث دفع ثمن فكره، ورغم كل الاعتقالات التي عرفها السياسي السوداني في حياته، فإنّ رسالة تمّ تداولها بعد خروجه من المعتقل عام 2003 موجهة إليه من الكاتب السوداني الطيب صالح، جاء فيها انّ الترابي "رجل محظوظ... اليوم ينعم الله عليه نعمة إضافية، بعدما مكّن له في بلاد السودان، يأمر وينهى، ويعطي ويمنع... بينما هو كذلك شاءت له إرادة الله أن يسقط فجأة من عليائه، ويخرج عن جاهه وسلطانه، وجنده وأعوانه... سعدت أنه خرج من ضيق الحبس الى براح الحرية، لكنني أنصحه: إنك اليوم تواجه أصعب امتحان واجهته في حياتك. فكر جيداً ماذا تصنع أمام الله والناس... هل تعكف على عقلك وروحك فتنجو بنفسك وتصير نبراساً يستضيء به الناس؟ أم تنغمس مرة أخرى في مستنقع السلطة والحكم والتحالفات والمؤامرات؟".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018