ارشيف من :أخبار لبنانية

ليبيا واحتكار الديمقراطية-جبريل العبيدي

ليبيا واحتكار الديمقراطية-جبريل العبيدي

جبريل العبيدي-"المصري اليوم"
 

التحول الديمقراطي والتغيير السياسي في ليبيا تعتريه كثير من العلل والإشكاليات والتجاذبات، ومنها محاولات الهيمنة للجماعات المؤدلجة أو ما يعرف بـ"الإسلام السياسي" وممارسة احتكار الديمقراطية من خلال استخدام لعبة الديمقراطية مرة واحدة، ثم الانقلاب عليها والتنكر لها كما حدث عقب خسارتها للانتخابات البرلمانية التي أعقبت انتهاء ولاية المؤتمر الوطني، حيث كانت تهيمن تلك الجماعات، رغم أن التعثر ليس مسؤولاً عنه جماعات الإسلام السياسي وحدها، فحتى القوى الأخرى شريك في فشل التحول الديمقراطي، كما أن بروز تدخلات خارجية في مسار التحول السياسي، ومحاولة رسمه بشكل محدد وفق إطار معين، وتفشي حالة اليأس من الخروج من حلبة الطاحونة، التي ندفع بها للبقاء فيها لضمان دورانها، مما يدفعنا نحو السؤال عن أسباب التعثر في تحقيق مبادئ الديمقراطية، وعن أي نوع ديمقراطية نبحث، وهل نحن نتجه نحو حالة استبداد واحتكار ديمقراطي في ظل فوضى السلاح وسيطرة الميليشيات وتحولها إلى أوصياء على "الثورة".

فالنسخة الليبية من «ديمقراطية» السلاح التي قد تخيرك بين القتل بالرصاص أو الذبح بالسكين، في ظل وجود أوصياء الثورة، بدلاً من ديمقراطية المشاركة والشراكة السياسية، وصياغة دستور توافقي، وهذا يجرنا نحو كارثة ديمقراطية بسبب كتابة العقد الاجتماعي «الدستور» بيد واحدة، لا تصلح حتى للتصفيق، فقراءة المشهد بعين عوراء لا تخدم المشهد السياسي الليبي، وقد تذهب بنا نحو طريق مسدود، من بين مؤشراته الاتجاه نحو «ديمقراطية» فئوية بنكهة العزل السياسي، الذي اتخذ منه البعض قميص عثمان وإظهاره على أنه طوق النجاة، وحقيقة الأمر أنه تجريم دون إثبات جرم، وتجريم للمنصب بالمطلق، دون النظر للجرم، وهذا مخالف لأبجديات العدالة ودولة القانون، التي ينادي بها الجميع، فالعزل السياسي من المشكلات التي ستعرقل أي تحول ديمقراطي حقيقي، فأنصار العزل السياسي يتذرعون بتأمين الثورة، دون النظر إلى سلبياته، قبل أن يتخذ البرلمان خطوة جريئة بإلغائه.

فالعزل السياسي يستند إلى خصومة سياسية لا جنائية، مما يجعله مخالفاً للعدالة وللنهج الديمقراطي، ولا يخدم السلم الاجتماعي وقيام دولة القانون، إنما يعطى الفرصة ويخلي الساحة لهيمنة الحزب الواحد والأيديولوجيا الواحدة، والتي ستنتهي بالبلاد إلى الدولة الأوتوقراطية بدلاً من الديمقراطية.

ففي ليبيا أزمة أحزاب سياسية وجماعات دينية، لا أزمة وطنية، فالوطن يعاني بسبب خلافات بين هؤلاء جعلت من الفيتو اللغة المتبادلة والسائدة بينهم، فالمشهد السياسي الليبي الحالي ضبابي، مرتهن الإرادة، في ظل وجود هذا الصراع الحزبي المعلن، وغياب تمثيل حقيقي للشعب في إطار حزبي بشكل صحيح نظراً لعدم وجود حضور حزبي حقيقي في الشارع والمجتمع وتدخل خارجي مباشر وحالة حرب بالوكالة على الأرض الليبية بين أطراف دولية وإقليمية تقاطعت مصالحها في ليبيا.

المجتمع الليبي ذو التركيبة القبلية في الأصل يجعل من أي شكل حزبي، يفتقر لأي وجود فاعل ضمن حراك مجتمعي- يستظل بموروث قبلي لا حزبي.

اختزال ليبيا ورهن إرادة شعبها في إطار حزبي ضيق يحمل «بعضها» أفكاراً ورؤية بل حتى ولاءات خارجية، ثبت فشلها في بلدانها - يجعل محاولة استنساخها أو إعادة إنتاجها في ليبيا أمراً مرفوضاً بالمطلق، فحرية الإرادة التي هي سلوك الإنسان وتصرفاته تنبع من إرادته الحرة بالكامل دون تدخل من أي طرف.

فمصلحة الوطن تستوجب أن يكون خارج فوضى التشويشات النفعية الخاصة، فتلك انتهازية واستبداد حزبي في وطن يلتمس طريقه نحو بناء دولة الجميع، يأمل أن يكون المرء فيها مواطناً حراً له كامل حقوق المواطنة، دون الحاجة إلى ملء استمارة انتماء حزبي.

* كاتب وباحث ليبي

نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية

2016-08-02