ارشيف من :أخبار عالمية

’كيماوي الغوطة’: تفاصيل مسؤولية الإرهابيين عن المجزرة

’كيماوي الغوطة’: تفاصيل مسؤولية الإرهابيين عن المجزرة

كثيرة هي الملابسات والتناقضات التي اعترت ملف "مجزرة الغوطة الكيماويّة" قبل ثلاثة أعوام (صبيحة 21 آب/اغسطس 2013)، حينها تضاربت الأنباء في حصيلة المجزرة ومنفذي الهجوم، إلا ان المؤكد حتى الآن ضلوع المجموعات الإرهابية في الجريمة، على عكس ما حاولت اثباته منظمات حقوقية، ارتكزت في تحقيقاتها إلى تحليلات واستنتاجات من "أشرطة مصوّرة وفّرها ناشطون".

وقد نشرت صحيفة "الأخبار" تقريرا مفصلا كشفت فيه، تفاصيل التحقيقات حول "مجزرة الغوطة" التي رسمت مرحلة جديدة للأزمة. فقبل وقوع المجزرة بيومين كان فريق الأمم المتحدة للتفتيش حول استخدام الأسلحة الكيميائية قد وصل إلى دمشق لأوّل مرّة، وقدمت الحكومة السورية حينها نفيًا منطقيًّا لأيّة مسؤولية لها عن الاعتداء.

واستمع معد تقرير لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة، في أيلول 2013 (بعد المجزرة بحوالى شهر)، إلى شهادة لافتة من والد أحد ضحايا المجزرة، إذ كان أبو فارس (اسم مستعار) يروي معاناته جرّاء فقدان ابنه وزوجة ابنه وأحفاده الأربعة في المجزرة عندما قدّم في السياق تفصيلاً مثيراً للاهتمام، مفاده أن المسلحين قاموا بتجميع عدد من عائلات المنطقة في بناء قيد الإنشاء عشية حدوث المجزرة (قبل خمس ساعات من بدء الهجوم). وقال أبو فارس "كانوا يسكنون في جوبر، ولم ينفعهم تنفيذُ الاحتياطات التي طلبها منهم المسلحون". ولدى سؤاله عن تلك الاحتياطات، قال أبو فارس "خبروهم أول المسا إنو النظام رح يضرب كيماوي، وقالولهم فوتو على هي البناية اللي عالعضم (قيد الإنشاء) ما بيصيبكم شي"، وأضاف "كل الناس فاتت على هاي البناية، وكلهم ماتوا".

’كيماوي الغوطة’: تفاصيل مسؤولية الإرهابيين عن المجزرة

إلا ان تقرير اللجنة، لم يحمل مسؤولية الهجوم لأي جهة أو طرف، واكتفى بوصف الهجوم بأنه "جريمة خطيرة".

وبالاستناد لما يسمى بـ"تحليلات واستنتاجات مستندة إلى شهادات عدد من الشهود وأشرطة مصوّرة وفّرها ناشطون"، اتهمت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الجيش السوري بمجزرة الغوطة، إذ يظهر على تقرير المنظمة انها استنسخت تحليلات عرضها ناشط بريطاني يُدعى إليوت هيغنز (اشتهر باسم براون موسز) يقيم في مدينة ليستر، وقد وصل إلى استنتاجاته بعد "تحليل عشرات الفيديوهات التي رفعها الناشطون".

وفيما تحاول وسائل الإعلام الغربية تحميل الجيش السوري مسؤولية المجزرة والترويج لروايات تؤكد مزاعمها، ثمّة روايات أخرى تجاهلتها تلك الوسائل. من بين تلك الروايات واحدةٌ نشرت تشير إلى مسؤوليّة "جيش الإسلام"، وتقول إنّ موسكو قدّمت أدلّة مدعّمة بصور التقطتها الأقمار الصناعيّة.

واشارت "الأخبار" إلى علاقة بين اختطاف المنسقة العامة لـ"مركز توثيق الانتهاكات" رزان زيتونة على يد "جيش الإسلام" (في 9 كانون الأول 2013) وبين مجزرة الغوطة، ويؤكد ذلك ناشط إعلامي بقي في دوما حتى منتصف العام 2014، قبل أن يغادر في رحلة معقّدة وينتهي به المطاف لاجئاً في إحدى الدول الأوروبيّة.

ويقول الناشط لـ"الأخبار" إنّ "اختطاف زيتونة وفريقها لم يكن بلا مقدّمات، فقد حدثَت مماحكات كثيرة بينها وبين مسلّحي "جيش الإسلام" قبل الاختطاف بشهر"، في حين يؤكد الناشط السابق أنّ "فريق المركز توصّل إلى عدد من الاستنتاجات والمعلومات تؤكّد أنّ عدداً من قادة الفصائل في الغوطة كانوا على علمٍ تامّ بما سيحصل ليلة المجزرة". وثمّة رواية أخرى تفيد بأنّ حادثة الاختطاف وقعت إثر "خلافات ماليّة" بين فريق المركز وبين "لواء الإسلام"، يُعلّق الناشط عليها بالقول: "لا أدري، لكنني متأكّد من ارتباط الحادثة بملف الكيماوي".

تجدر الإشارة إلى الكثير من الشهادات التي تمّ تداولُها تحدثت عن "وجود رائحةٍ قويّة وغريبة" في المناطق المستهدفة، وشبّهها بعض الشهود بـ"رائحة البيض الفاسد" وآخرون بـ"رائحة الخل". وتُناقض هذه الشهادات التي وصلت إليها "التحقيقات"، والتي جزمت بأنّ المادة المستخدمة في الاعتداءات كانت غاز السارين، ومن المعروف أنّ أبرز خواص السارين أنّه بلا لون ولا رائحة.

واشار تقرير «هيومان رايتس ووتش» أنّ "أيّاً من شهادات الشهود لم تصف أثر ارتطام الصواريخ، ولم يتبين من صور مخلفات الصواريخ أو من التقارير عن إصابات الناس في المكان، أن الهجوم كان بحمولة شديدة الانفجار"، أمّا تقرير "مركز توثيق الانتهاكات" فقد تحدّث عن «دمار وأضرار ماديّة كبيرة"، كذلك حفلت معظم الشهادات المتداولة (بما فيها المنقولة عن مسعفين، وناشطين إعلاميين، ومتحدثين عسكريين باسم الفصائل) بكلام عن "أصوات انفجارات"، في الوقت الذي تحدثت فيه التقارير "الاحترافيّة" عن "تميز الصواريخ التي تحمل رؤوساً كيميائية المستعملة في الهجوم بأنها لا تحدث صوتاً بعد انفجارها". وراجت لاحقاً رواياتٌ "توفيقيّة" تحدثت عن ترافق "القصف الكيميائي باستهداف واسع النطاق بواسطة قذائف الهاون».

كما نشرت "الإخبار" تقريرا يؤكد امتلاك ثلاث جهات (على الأقل) من المجموعات المسلحة كميات من الأسلحة الكيميائيّة داخل الجغرافيا السوريّة، هي:

«جيش الإسلام»

تسلّم في عام 2013 شحنة كيميائيّة واحدةً (على الأقل) من الترسانة الليبيّة. في منتصف ذلك العام (أيّار أو حزيران) انطلقت طائرة تابعة للخطوط الجويّة التركيّة في رحلة خاصّة من مطار مصراتة الليبي، إلى أحد مطارات الجنوب التركي. لم تكن الرحلة الاستثنائيّة مخصّصة لنقل مسافرين، أو مقاتلين (كما حصل في مرّات أخرى)، بل لنقل "شحنة" أشدّ أهميّة من ذلك. "كانت الطائرة محمّلة بأحد عشر صاروخاً مزوّداً برؤوس كيميائيّة"، يقول طه لـ"الأخبار". يؤكّد الشاب السوري المقيم في ليبيا أنّه "عرف هذه المعلومة عبر صديق ليبي، كان شريكاً في بعض الأعمال التجارية ويعمل في مطار مصراتة".

ويضيف الشاب "حظي الرجل في تلك الفترة بصلاتٍ كبيرة مع رموز في الجماعات المسلّحة بفضل مسارعته إلى العمل مع ثوّار مصراتة في مرحلة مبكرة". ووفقاً للمصدر، فقد "كانت الصواريخ من طراز غراد معدّلة، انتقلت من مصراتة إلى تركيّا فسوريا حيث وُضعت في عهدة جيش الإسلام (كان يُعرف باسم "لواء الإسلام" حينها) الذي كان أبرز المؤهّلين لفتح معركة دمشق في أي لحظة". ينفي المصدر علمه بتكرار الأمر مع شحنات أخرى «هذه هي الشحنة الوحيدة التي علمت بها، كان صديقي وقتها متحمّساً للخطوة التي ستلعب دوراً حاسماً في الإنجاز المرتقب في دمشق".

"داعش"

في تشرين الثاني من العام الماضي، أكّد تقرير صادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائيّة أنّ "تنظيم داعش استخدم غاز الخردل ضدّ قوّات المعارضة في مدينة مارع (ريف حلب الشمالي)". ونقلت وكالة "رويترز" عن التقرير تأكيده أنّ الواقعة حصلت في شهر آب 2015. في واقع الأمر، كان "داعش" قد حصل على أسلحة كيميائيّة قبل ذلك التاريخ بأكثر من عام. مقاتل سابق في صفوف "أسود الشرقيّة" الذين خاضوا معارك طاحنة ضد التنظيم في دير الزور عام 2014، يؤكّد أنّ التنظيم "هدّد باستخدام أسلحة كيميائيّة ضدّنا". ويروي المصدر لـ"الأخبار" أنّ "«التهديد نُقل إلينا حينها عبر أحد وجهاء العشائر، وكان المطلوب انسحابنا من إحدى النقاط".

يؤكد المصدر أنّ "كتيبة" كان يقاتل في صفوفها تمكّنت بعد تلك الواقعة بشهرين من أسر أربعة مقاتلين من التنظيم «من بينهم قائد عسكري، وقد انتزعنا منه اعترافات تؤكد حيازتهم لتلك الأسلحة".

وفي عام 2015، كان مصدر قد نقل لـ"الأخبار" معلومات غير كاملة عن حصول "داعش" على «سلاح كيميائي من جبهة النصرة في حلب". المصدر أكّد وقتها أنّ ذلك جاء "ضمن إطار تفاهم غير معلن على تقاسم الأسلحة والعتاد" إثر الانقسام الذي وقع بين الطرفين، والتحاق عدد كبير من مقاتلي "النصرة"بالتنظيم. "أخذوا معهم كلّ ما كان تحت أيديهم من أسلحة، بما فيها أسلحة كيميائيّة"، على حد قوله.

مجلّة «فورين بوليسي» الأميركيّة نقلت في عددها الأخير روايةً تتقاطعُ مع كلام المصدر وتؤكّد استيلاء "داعش" عام 2014 على ثلاثة براميل من مخزون كيميائي كان في حوزة «النصرة» في ريف حلب.

"جبهة النصرة"

تختلف رواية الحكومة السوريّة في شأن «الكلور» الذي حصلت عليه «جبهة النصرة» («فتح الشّام» حاليّاً) عن الرواية التي أوردتها مجلة «فورين بوليسي» أخيراً في الحيثيّات فقط، وتتفقّان في نقطة جوهريّة: «النصرة» تمتلك سلاحاً كيماويّاً. في كانون الأول 2012 خاطبت الخارجيّة السوريّة كلّاً من مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتّحدة، مُجدّدة التحذير من أنّ «المجموعات الإرهابيّة سيطرت على معمل تابع للقطاع الخاص شرق مدينة حلب يقوم بتصنيع مادة الكلور، ويحتوي أطناناً من هذه المادة السّامة». لم يجرِ التعامل بجديّة مع رسالة الخارجية السورية، وأدرجتها معظم وسائل الإعلام تحت خانة «الكذب السوري الرسمي». لكنّ المجلّة الأميركيّة نشرت في عددها الأخير روايةً تصبّ في خانة الرواية الرسميّة السورية التي كُذِّبَت قبل قرابة أربعة أعوام. تستند الرواية إلى شهادة مقاتل سابق بارز عاصر قدوم زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي إلى ريف حلب عام 2013 والتقى به، وكان شاهداً على تفجّر الصراع بين التنظيم و«النصرة». ووفقاً للشاهد، فإنّ «النصرة استولت على براميل من الكلورين والسارين من قاعدة للجيش السوري هي الفوج 111». تنقل المجلّة عن المصدر قوله إنّه في كانون الثاني 2014 عاصرَ انسحاب «داعش» من منطقة كفرجوم، حيث «حُمِّلَت 200 سيارة وشاحنة بالمقاتلين والأسلحة والأسرى الأجانب». وتقول المجلّة أيضاً إنّ شاهدها رأى من بين العتاد المُحمّل ثلاث حافظات تُطابق الحافظات التي سبق أن كان شاهداً على استيلاء «النصرة» عليها من الفوج 111، وكان عددها وقتها خمس عشرة حافظة.

2016-08-23