ارشيف من :أخبار لبنانية

ريفي والمشنوق والحريري: هل قلتَ اعتدال؟

ريفي والمشنوق والحريري: هل قلتَ اعتدال؟

صحيفة "الأخبار"

«القرار الاتهامي الذي أصدره المحقق العدلي القاضي ألاء الخطيب (قبل 12 يوماً) أدان الحزب العربي الديمقراطي لتورطه في تفجير مسجدي التقوى والسلام صيف عام 2013». سياسيون وإعلاميون وناشطون مدافعون عن حقوق الانسان يرمون بهذه العبارة، وملؤهم الثقة. بلا أدنى شك، وبمنتهى الببغائية، يكررون هذه الكلمات التي تكاد تكون مطابقة لعبارة الكذب المطلق: «الخسن والخسين بنات معاوية».

فالقرار اتهامي. والاتهام لا يدين، بل يوجّه التهمة، ليُحاكم المتهمون أمام هيئة قضائية «جالسة»، تدين أو تثبت البراءة. يُضاف إلى ذلك أن القرار الاتهامي لم يأتِ على ذكر الحزب العربي الديمقراطي. وإذا ما عاد المتابعون إلى التحقيقات الأمنية، فبمنتهى السهولة، سيكتشفون أن المتهم الاول في جريمة تفجير المسجدين، حيان رمضان، لم يكن منتمياً إلى الحزب عند ارتكاب الجريمة، ولا في السنوات التي سبقت ذلك، وعلاقته برئيس الحزب رفعت عيد كانت دوماً شديدة التوتر. وإذا ما أراد الطرابلسيون والأمنيون احتساب حيان رمضان على جهة ما، فإنهم لن يجدوا أحداً أقرب إليه من اللواء أشرف ريفي. الحقيقة التي يتجاهلها الجميع هي أن المتهم الأبرز في تفجير مسجدَي التقوى والسلام كان «زلمة» ريفي. وقبل نحو 6 سنوات، اقترح حيان رمضان على ريفي إنشاء تيار سياسي ينافس الحزب العربي الديمقراطي في جبل محسن، لكن ريفي وشركاءه الأمنيين ومرجعيتهم السياسية رفضوا ذلك. والرفض لم يكن حبّاً برفعت عيد ولا بوالده النائب السابق علي عيد، ولا كرهاً لحيان رمضان. جلّ ما في الأمر أن ريفي والحريري خشيا أن تؤدي خطوة كالتي يقترحها رمضان إلى إزعاج القيادة السورية، في ذروة الانفتاح الحريريّ على الرئيس بشار الأسد.

خلاصة الأمر أن حيان رمضان كان خصماً للحزب العربي الديمقراطي، وكان أداة بيد ريفي. لكن هذه الوقائع لم تمنع ريفي نفسه من توجيه كتاب يطلب فيه حل الحزب العربي الديمقراطي. ولئن كان هذا التصرف متوقعاً من ريفي، الشعبوي، والذي يوسم بالتطرف، فالمفاجئ أن يقرر وزير الداخلية نهاد المشنوق أن يلحق بوزير العدل المستقيل، ويحيل الأمر على مجلس الوزراء، ثم أن يسارع الرئيس سعد الحريري إلى تهنئة المشنوق على خطوته تلك. على أي أساس بُني القرار التي وقّعه وزير الداخلية؟ لا شيء سوى التنافس الشعبوي بين تيار المستقبل وريفي الذي انشق عنه. قرر المستقبل تكرار التجربة، رغم الأثمان الباهظة التي دفعها، وحمّلها للبلاد برمتها، في كل مرة انتهج فيها السياسة تلك: لا مواجهة مع المتطرفين، بل مزايدة عليهم في تطرفهم. فعلها المستقبليون سابقاً مع أحمد الأسير، ومع هيئة علماء المسلمين، ومع خالد ضاهر، وأشرف ريفي، وغيرهما. يزعم المستقبل أنه تيار اعتدال. ما الدليل على اعتداله غير ربطة العنق وكأس النبيذ؟ خطابه هو خطاب أحمد الأسير والشيخ سالم الرافعي. وأداؤه يمنع محاسبة الشيخ سالم الرفعي الذي ثبت بالتحقيقات القضائية أنه حمى أحمد الأسير بعد المجزرة التي ارتُكِبَت بجنود الجيش في عبرا. والأخطر، أن المستقبل يمارس، على طريقته، التحريض ذاته الذي شكّل مظلة ارتُكِبَت تحتها جرائم الانتقام المذهبي بحق علويي طرابلس قبل 3 سنوات. ما الفرق هنا بين الحريري والرافعي وريفي والمشنوق وخالد ضاهر؟ ولماذا على اللبنانيين غير المؤيدين لتيار المستقبل تفضيل الحريري على ريفي أو على الرافعي أو ضاهر؟ أين الاعتدال الذي يُقدّم للبنانيين كمنقذ لهم من براثن التطرف؟ وما الحكمة من وراء تحميل رفعت عيد وحزبه وزر مجزرة قد تكون الأفظع في عاصمة الشمال منذ سنوات الحرب الأهلية، فيما التحقيقات التي أجراها فرع المعلومات لم تخدش براءة الحزب المذكور؟

لا جواب عند المستقبليين سوى ما يفيد بأن التيار المفلس مصرّ على عدم استخلاص العِبر مما ارتكبه بحق نفسه وبحق البلاد منذ أن شهر بخفة لامتناهية سيف «الاتهام السياسي» عام 2005، في وجه خصومه أجمعين.

مهزلة طلب حل الحزب العربي الديمقراطي استُكمِلت بأخرى أشد خطورة منها، وتمثّلت في تجنيد النيابة العامة العسكرية وجيش من رجال الدين والمحرضين و»المفكرين»، لـ»فك أسر» الشيخ بسام الطراس، الذي أوقفه الامن العام بعد ظهر الأحد الماضي. وبصورة استثنائية، انتقل معاون مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي هاني الحجار إلى مقر المديرية العامة للأمن العام، بقرار من «رئيسه» القاضي صقر صقر، وأمر بترك الموقوف الطراس، «رهن التحقيق»، وحجز جواز سفره. الطراس طليق، ومُنِع الأمن العام من استجوابه. قبل استدراج الشيخ المذكور إلى التحقيق، كان القاضي الحجار متحمّساً جداً، لأن الأمن العام كشف المشتبه فيهم بتفجير العبوة الناسفة في كسارة في الحادي والثلاثين من آب الماضي. وهو من أشار على المحققين بالطريقة التي يجب عليهم اتباعها لتوقيف الطراس. ما الذي تغيّر حتى يقطع القاضي وقت راحته يوم الأحد ليلاً، ويحضر بنفسه لاستجواب الموقوف بعد أقل من 3 ساعات على بدء التحقيق معه في الأمن العام؟ لا شيء تبدّل سوى أن النيابة العامة العسكرية قررت الخضوع لضغوط تيار المستقبل والوزير أشرف ريفي. القاضي الحجار كان قد منح الأمن العام الإذن باستدراج الطراس، بعدما علم بأن الموقوف علي غانم اعترف خلال التحقيق معه بأنه التقى مشغّله «أبو البراء»، المنتمي إلى تنظيم «داعش»، في تركيا، بحضور الطراس، وأن الأخير قال لغانم: افعل ما يطلبه منك أبو البراء. وبقيت هوية أبو البراء مجهولة، إلى أن كشف الطراس لمحققي الأمن العام أنه ليس سوى محمد قاسم الأحمد، الفار من وجه العدالة منذ ثلاث سنوات، بسبب الاشتباه في مشاركته في تنفيذ عدد من التفجيرات الإرهابية. لماذا مُنِع الامن العام من استكمال التحقيق مع الطراس؟ ولماذا أمرت النيابة العامة بإطلاق سراحه من دون مواجهته بالموقوف الآخر علي غانم؟ هل للأمر صلة بأن الطراس عاد يوم الأحد الماضي من المملكة العربية السعودية؟ وهل لذلك علاقة بمعلومات يراد إخفاؤها عن طريقة عمل الإرهابيين بين لبنان وتركيا والسعودية، وخاصة أن أبو البراء كان، قبل انضمامه إلى «داعش»، ينتمي إلى تنظيم «كتائب عبدالله عزام»، التنظيم الأكثر التصاقاً بالاستخبارات السعودية؟

 

2016-09-14