ارشيف من :أخبار عالمية
معارك حلب بين وحدة سوريا وتقسيمها
يجمع الخبراء العسكريون على أهمية معارك حلب في الشمال السوري من الناحية الاستراتيجية قبل العملانية، على مستوى "الكباش" الروسي الامريكي، والذي تشكل فيه هذه البقعة الجغرافية جزءًا من الصراع بين الدولتين.

دبابات للجيش السوري
"حلب هي عاصمة الجزء الشمالي في خطة واشنطن لتقسيم سوريا"، بهذه العبارة يشير العميد المتقاعد أمين حطيط إلى خطة لدى الولايات المتحدة لفصل جزء من سوريا وجعل حلب مقابل دمشق، لافتًا إلى أن الرد على هذا الطموح جاء سريعًا على لسان المندوب السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري منذ أيام، حيث أكد أن لكل بلد عاصمة واحدة إلا سوريا فلها عاصمتان هما دمشق وحلب، وأن الدولة السورية مصممة على بسط سلطتها على المدينتين.
ويلفت حطيط إلى أن من يملك السيطرة على حلب يفرض مشروعه، فإن تغلّب المنطق الأمريكي بالتقسيم، يصبح ما تبقى من مناطق جزئيات، وتكرّ السبحة في دير الزور والرقة وعفرين، ويمكن حينها لواشنطن ان تولّي "داعش" على بعض المناطق، لأن الأخيرة تستمد القرار والسلاح من الأمريكيين. أما بالنسبة للدولة السورية وحلفائها فإن الانتصار في حلب سيسقط مشروع التقسيم، والذي لا يمكن ان يكتمل بدون دعم تركي أمريكي للأكراد، الذي يحلمون بإنشاء كيانهم الذي يمر بدير الزور والرقة ومنبج.. وبإحكام السيطرة على حلب يكون المشروع الكردي قد تم إجهاضه، ويمكن للجيش السوري الاستعداد لمعركة دير الزور والرقة.
وباختصار المعركة في حلب هي بين مشروعَي وحدة سوريا وتقسيمها. عملانيًا تكمن الأهمية الكبرى في مجريات معركة حلب على المسلحين، والبالغ عددهم 12 ألف مسلّح، وينقسمون إلى أنواع، منهم الحالة التي نشأت خلال الأزمة السورية وهم يستفيدون ماديًا من تشغيل المصانع وربطها بتركيا، وهذا الموذج يمكن إسقاطه بواسطة الحصار المفروض وقطع الطريق إلى تركيا، وبذلك سينسحب 80% من هؤلاء المقاتلين من الميدان ولن يذهبوا للقتال في مكان آخر لعدم وجود الدافع لذلك، وفق ما يقول حطيط.
وبحسب العميد حطيط، فإن هزيمة هؤلاء المسلحين ستنعكس امتداداتها على مناطق أخرى أقل أهمية، على قاعدة أن هؤلاء لم يستطيعوا الصمود في حلب، فكيف الحال في غيرها من المناطق حيث تنعدم الحصانة والمناعة لهم. وإلى جانب هذا العامل الاقتصادي الذي يخفف من عزيمة المسلحين للقتال، يبرز عامل آخر يتمثل بالتناحر الداخلي بين المجموعات المسلحة، ومَيل الكثيرين منهم لسلوك طريق المصالحة والعفو الذي فتحته الحكومة السورية.
ويجزم حطيط بأن نحو 25% إلى 30% من المسلحين يرغبون بالمصالحة وهم يقاتلون مُجبرين على ذلك، وهؤلاء ينتظرون الفرصة السانحة للتنصل من حمل السلاح. أما على مستوى الجيش السوري، فإن حسم معركة حلب سيحرر جزءًا من قواته تكون كافية لاستعادة إدلب ومثلث جسر الشغور، وبذلك يتم قطع الطريق على الطموح التركي من حلب الى جسر الشغور وصولًا إلى اللاذقية.
يوافق النائب والعميد المتقاعد الوليد سكرية على ان المعركة في حلب تأتي ضمن الصراع القائم بين روسيا والولايات المتحدة، ورسم حدود بين واشنطن التي تريد "معارضة سورية" قوية تستطيع ان تغيّر النظام، وهذا ينعكس على موسكو ووجود قواتها على الساحل السوري، ويحذر من أن هذا التغيير الذي تطمح إليه واشنطن من شأنه أن يُحدث انقلابًا في السياسة السورية وبالتالي يؤدي إلى قطع حبل الود مع روسيا، إضافة لفك الارتباط مع إيران، وهذا يخدم المصالح الصهيونية.
من هنا يخلص العميد المتقاعد إلى أن الضربة الجوية الأمريكية للجيش السوري في دير الزور أتت ضمن هذا السياق، ويلفت إلى وجود اتجاهين داخل أروقة واشنطن حول هذه الغارة، الأول يتمثل بوزارة الخارجية التي كانت مع إبقاء الهدنة التي توصلت إليها مع موسكو وبذلك تحقق نقاطًا لصالح الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية الامريكية، لما سيتيحه ذلك من تقديم مساعدات إنسانية وإجلاء المدنيين وغيرها، أما الاتجاه الثاني فيتمثل بالبنتاغون الذي يرفض الاتفاق مع روسيا والذي تغلب كفته في النهاية.
كسب حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا والمدينة الثانية بعد دمشق، يؤمّن سيطرة على الأرض وعلى شريحة ديموغرافية من المواطنين السوريين، وبحسب النائب سكرية فإنه لو تمكنت "المعارضة" من السيطرة على حلب من الممكن أن تخضعها لحكم ذاتي وتمتد إلى خان شيخون، وتشكل بذلك تهديدًا لدمشق.
المعادلة من وجهة نظر سكرية ذات بعدين: الأول داخلي بين النظام و"المعارضة"، والثاني يتجاوز الحدود ويطال النفوذ الروسي في سوريا والحفاظ على مصالحه وعلى امتداد تحالفاته مع إيران والقوى المعادية لواشنطن.
عسكريًا، يسعى الروسي في غارات طائراته المتواصلة على تجمعات المسلحين في حلب إلى إرضاخهم، سواء ببقائهم داخل المدينة ضمن تسوية ما، أو ان يخرجوا منها في انتصار واضح لموسكو ودمشق.. وهذا ما يكرّس كباشًا روسيًا أمريكيًا يتعدى الساحة السورية ويمتد إلى أوكرانيا والمسائل النووية بين البلدين، وما برز من وقف موسكو لمعاهدة البلوتونيوم مؤخرًا، على حدّ قول سكرية الذي يخلص الى أن المعركة مستمرة من الجانب الروسي، وواشنطن تواجهها بالضغط من خلال تسليح "المعارضين"، إلّا أن واشنطن لن تسلّح هؤلاء بصواريخ أرض - جو تُرمى من على الكتف، خاصة أن تجربة تنظيم "القاعدة" في
أفغانستان لا زالت حاضرة لدى الأمريكيين، فمن يستهدف الروس اليوم قد يستهدف الأمريكيين لاحقًا أو حتى الطائرات المدنية، ويكتفي الأمريكي بتسليم المسلحين راجمات صواريخ أرض – أرض قد تطال العاصمة السورية دمشق والمدن الكبرى الأخرى.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018