ارشيف من :أخبار لبنانية
إجراءات حكومية مؤلمة للفقراء.. وتجاهل للخيارات الأخرى
جمال زهران- صحيفة "الأهرام" المصرية
أسلِّم بداية أن مصر وشعبها يخوضون معركة كبرى ضد حصار اقتصاديٍّ قذر، كما أُسلِّم بحقيقة أن هناك مؤامرة خارجية على مصر، أحسب أن شعبها قادرٌ خلف قيادته على خوضها والانتصار فيها، إلا أن الملاحظ أن الحكومة فاجأت الشعب المصري، بعدد من القرارات التي أصدرتها مؤخرًا، من تعويم العملة الوطنية "الجنيه المصري" في مواجهة الدولار والعملات الأجنبية الأخرى بطبيعة الحال، أي بلغة اقتصادية، ترك سعر العملة للسوق "عرضًا وطلب"، دون تدخل من الدولة، فضلاً عن زيادة أسعار الوقود (بنزين وكيروسين، وأنبوبة البوتاجاز للضعف)، وكله في يوم واحد.
اشتعلت بفعل هذه القرارات الأسواق، وسائل النقل، والحكومة غائبة، وتحركات وتحركات المحافظين وبعض الوزراء دون عائد على الأرض، وسط تصريحات من رئيس الوزراء بالتحذير بعدم زيادة أسعار ركوب وسائل النقل العام عن 10 - 15%، والواقع يؤكد مضاعفاتها.
كما أن اتخاذ هذه الإجراءات بهذه القسوة على الطبقتين الوسطى والفقيرة اللتين اتسعت رقعتهما إلى قاع المجتمع، لم يتواز معها اجراءاتٌ مماثلة على البقية الغنية، وبالتالى فإنَّ المشهد الواضح أمام الجميع كأن الحكومة تُصلِحُ حال الأغنياء على حساب الفقراء وإفقار الطبقة الوسطى وهي صمام أمن المجتمع واستقراره الحقيقي، وليس الشكلي والسطحي، والذي سيجني ثمار هذه الإجراءات طبقة التجار واللصوص وسارقي دعم الشعب، وهم فئة من الأغنياء، أما الأغنياء الحقيقيون فلم تقترب منهم الحكومة بعد.
أما الثورة يا سادة، تلك التي قام بها الشعب ضد نظامي مبارك والإخوان، استهدفت إحداث التغيير وإسقاط النظام برموزه وقواعده وسياساته، لكن المشهد يؤكد أن التغيير المطلوب لم يحدث بعد، فلو أتت مجموعة جديدة لا علاقة لها بنظام مبارك، واستنفدت كل الخيارات ولم تنجح واضطرت لهذه الخيارات المؤلمة، لكان تجاوب الشعب معها مختلفاً، أما أن تصدر هذه الإجراءات مجموعة عمل بعضها ضد الفقراء ولمصلحة الأغنياء وكنت أسميها تحت قبة البرلمان (2005 - 2010م) حكومة رجال الأعمال والأغنياء، فإن هذا لكثير على الشعب المطحون.

أم الدنيا في عهد السيسي.. مصر تطحن الفقراء
والأغرب أن يتم الترويج في صحف رجال الأعمال نقلاً عن مصادر رسمية ولم تكذبها الدولة، أن هناك محادثات مع د. محمود محيى الدين، لتوليه منصب رئيس الوزراء، وهو رجل مبارك وموظف الآن في البنك الدولي، فكيف يتم ذلك دون نفي رسمي من الحكومة؟
الخيارات الأخرى عديدة، حكومات ما بعد 30 حزيران/ يونيو تراجعت عنها بكل أسف من ذلك فرض ضريبة تصاعدية، فبعد أن أصبحت 25% بدلاً من 20%، نتيجة ضغوط ثورة 25 يناير، تراجعت إلى 22٫5%، والخيار الأفضل هو أن يتم تصاعدها تدريجيًا خلال خمس سنوات لتصل إلى 50% وهو حق الشعب مثلما هو معتمد في الدول الأخرى والرأسمالية تحديدًا، فلماذا لا تفصح الحكومة عن ذلك بينما ترفع أسعار الكهرباء والمياه والصرف والغاز والبنزين حتى السلع التموينية، والتي تزداد ارتفاعًا وفقًا لجدول زمني خلال السنوات الخمس المقبلة؟
كما أن ضريبة البورصة التي فرضت بعد ثورة 25 يناير، تراجعت عنها حكومات ما بعد 30 يونيو عنها بلا مبرر، رغم وجودها في كل النظم الاقتصادية أو أغلبها، كما أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور قانونًا يقصر الطعن على العقود الحكومية على المتعاقدين ليلغي دور الشعب في استرداد شركاته المغتصبة، والتي تتحول إلى أراض يجري تقسيمها بمخالفة القانون، وذلك بعد أن نجحنا كقوى وطنية في استرداد نحو (10) شركات بيعت بأبخس الأثمان في موجة الخصخصة في العهود السابقة.
ومن الخيارات الأخرى كارت البنزين لتحديد الدعم للطبقة الوسطى، وتم طبعه وتوزيعه وتكلف الملايين، وذلك بديلاً عن رفع سعر البنزين كاملاً، وكان يمكن قصره على المترفين الأغنياء، إلا أن الحكومة المتهمة بإهدار المال العام لم تلتفت لذلك، فضلاً عن خيار التقشف الحكومي الواضح أنه بلا رؤية، وكذلك الحد الأقصى للأجور الذى تبدد تحت سيوف مراكز القوة والنفوذ فى البلد، ويستلزم الأمر اعادة صياغته وحسمه وشموله بلا استثناءات ليوفر وحده (20) مليار جنيه.
إن هذه الخيارات غير آمنة، ولن تجد سبيلها إلى النجاح، وتتعارض مع خطاب الدولة الرسمي في تحقيق الاستقلال الوطني، والصورة قاتمة للأسف، لكن هناك أملٌ ولا يزال..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018