ارشيف من :أخبار لبنانية

الوحدة بالإتلاف والديمقراطية بالإقصاء؟

الوحدة بالإتلاف والديمقراطية بالإقصاء؟

"الخليج" - عصام نعمان


لأنها لا تريد لهذا الحزب، بما هو قائد المقاومة اللبنانية، أن تكون له أي سلطة أو تأثير في الحكومة الجديدة المرشحة للانخراط في مشروع تسوية مبكرة بين لبنان و”إسرائيل” قوامه انسحاب هذه الأخيرة من مناطق احتلالها (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وشمال قرية الغجر) من أجل ان تصبح العودة إلى تطبيق اتفاق الهدنة المعقود بين الطرفين عام ،1949 ممكنة وقابلة للاستمرار وأساساً لمعاهدة صلح لاحقة . لكن إقصاء حزب الله يؤدي إلى إقصاء كل أطراف المعارضة . ذلك أن هؤلاء اشترطوا أن يشاركوا جميعاً في الحكومة او يقاطعوا جميعاً . هذا الموقف الصارم حمل الرئيس المكلف تأليف الحكومة النائب سعد الحريري، بدعم وتوجيه من قطب المعارضة ورئيس مجلس النواب نبيه بري، على استدراك الوصول إلى طريق مسدود بتكثيف الاتصالات بين القوى السياسية المتنافسة من اجل التوصل إلى صيغة وسط تكفل إشراك حزب الله وبقية حلفائه في الحكومة من دون ان يكون للمعارضة فيها، جهاراً، الثلث المعطل .

ما أخّر تأليف الحكومة، إذاً، ان القوى السياسية المتعاونة مع أمريكا وحلفائها الإقليميين نشطت بقوة على خطين: الأول، الضغط على الحريري وحلفائه للتخلي عن مطلب إتلاف الجميع في حكومة وحدة وطنية والاكتفاء تالياً بتأليف الحكومة من الموالين، أي قوى الغالبية النيابية وحدها، بدعوى أن في ذلك استجابة للديمقراطية الصحيحة . الثاني، الضغط على جميع الأطراف لضمان عدم امتلاك قوى المعارضة- في حال الاضطرار الى إشراكها في الحكومة- الثلث المعطل وذلك للحؤول دون تعطيل المبادرة السياسية الداعية إلى الإنخراط في تسوية مبكرة مع “إسرائيل” في حال إخلائها المناطق المحتلة ما يتيح العودة إلى تطبيق اتفاق الهدنة .

لكن، هل “إسرائيل” موافقة حقاً على الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة والعودة إلى تطبيق اتفاق الهدنة؟


“إسرائيل” لم ترفض ذلك علناً كي لا تبدو في موقف متعارض مع مبادرة أوباما السلمية بل إن جريدة “هآرتس” نسبت إليها فكرة إحياء لجنة الهدنة التي كانت عاملة من سنة 1949 لغاية حلها سنة 1967 بقرار من “إسرائيل” . لكن نظرة متأنية إلى المسألة في ضوء دوافع “إسرائيل” إلى احتلال ما احتلته في لبنان تشي بحقيقة مغايرة . ذلك بأن السبب الحقيقي لاحتلال منطقة شبعا الواقعة على سفح جبل حرمون (جبل الشيخ) هو كونها تربض فوق خزان هائل للمياه الجوفية هو في الواقع أحد الروافد الرئيسة لنهر الأردن . من هنا ينبع حرص “إسرائيل” على إبقاء احتلالها للمنطقة . وهي لن تتخلى عنها، على الأرجح، إلاّ في حال توصلها الى تسوية شاملة مع سوريا، وليس مع لبنان فقط، لأن لخزان مياه شبعا الجوفي امتداداً يتصل بمنطقة بانياس في الجولان السوري المحتل الذي ينطوي بدوره على كميات هائلة من المياه الجوفية .

ثمة سبب آخر لتلكؤ “إسرائيل” في الموافقة على العودة الى تطبيق اتفاق الهدنة . إنه معرفة مستقبل حزب الله في ظل التسوية المرتقبة . فهي تشك في موافقة حزب الله على نزع سلاحه لمجرد قيام “إسرائيل” بالانسحاب من منطقة شبعا وتلال كفرشوبا، ذلك أن ثمة دوافع أخرى لاستمرار المقاومة لن يتخلى عنها حزب الله .


غير أن حلفاء أمريكا في لبنان لا يتأثرون بهذه الاعتبارات والمعوقات ويثابرون على الدعوة والترويج للفكرة القائلة إن انسحاب “إسرائيل” من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وشمال قرية الغجر كفيل بإزالة الأسباب التي تبرر استمرار المقاومة اللبنانية واحتفاظ حزب الله بسلاحه، والإبقاء على مراكز مسلحة للفلسطينيين خارج المخيمات، كما يصير بالإمكان ترسيم حدود مزارع شبعا تبعاً لزوال التحفظ السوري الممكن حصوله تبعاً لزوال الاحتلال “الإسرائيلي” .


يعرف حلفاء أمريكا ان مشروع سَوْق لبنان إلى تسوية مع “إسرائيل” يشكّل استحالة كاملة في ظل بقاء سوريا في حال حرب معها، ومع ذلك حاولوا ويحاولون بلا كلل إقصاء المعارضة عن المشاركة في الحكومة الجديدة لأن من شأن ذلك منحهم فرصة الاستئثار بالحكم وتقاسم مقاعد الحكومة الثلاثين بين تكتلات وأحزاب وشلل تستبد بها شهوة عارمة مزمنة وممضة للسلطة .

2009-08-01