ارشيف من :أخبار عالمية
خليج 2016: عام الانحدار والتهوّر
لم تستطع دول الخليج خلال عام 2016 العودة الى رُشدها سياسيًا واقتصاديًا وحقوقيًا.. على مدى السنة المنصرمة، عاشت مزيدًا من التخبّط والانحدار داخليًا وخارجيًا.. العدوان على اليمن استمرّ بقيادة السعودية ومؤازرة دول مجلس التعاون، والاضطرابات المالية في أكثر من بلد خليجي تقدّمت على ما عداها من الهواجس.. سياساتٌ عبثية اتُّخذت على أكثر من صعيد، أضرّت مملكات الخليج سُمعةً ومصلحةً. وحدها سلطنة عمان كانت تغرّد خارج السرب، لم تحذُ حذو أيّ من "شقيقاتها" الخليجيات، فعملت على الانشغال بشؤونها الخاصة من دون التورّط بحروب الجوار، مُحافظةً على دورها كعرّابة للحوار بين أطراف الأزمة اليمنية، إلّا أنها ختمت سنتها بالإنضمام الى التحالف الذي تقوده الرياض لـ"مكافحة الإرهاب".
السعودية: انكسارات واستنزافات
تظهر السعودية على رأس تلك الممالك جرّاء الإخفاقات التي عاشتها على المستوى العسكري والسياسي والحقوقي والمالي. اختارت استهلال سنة 2016 بسقطةٍ حقوقية فادحة بعدما أقدمت على إعدام آية الله الشيخ نمر باقر النمر وعشرات الناشطين السلميين فقط لأنهم مُعارضون للسلطة. وعلى الرغم من الإدانات العالمية للخطوة، لم تكفّ المملكة عن اعتقال ومحاكمة المزيد من المواطنين من أبناء العوامية والقطيف والمنطقة الشرقية عمومًا والمدافعين عن الحريّات ولا سيّما أعضاء جمعية حسم الحقوقية وناشطون آخرون باتوا معروفين أمثال وليد أبو الخير ورائف بدوي وفاضل المناسف ويوسف المشيخص وسليمان الرشودي وعبد الله الحامد ومحمد القطحاني وعبد الكريم يوسف الخضر وعيسى النخيفي وأشرف فياض وخالد العمير، بحسب المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان.
الإنكسار الكبير للرياض سُجّل هذا العام في اليمن. "المُستنقع اليمني" أغرق آلة القتل السعودية المتمادية، الغارات وارتكاب المجازر قدّمت للمنظّمات الحقوقية الدولية نماذج حيّة للتنكيل بالشعب اليمني الأعزل، غير أن الجيش اليمني واللجان الشعبية ومقاومي حركة "أنصار الله" رفضوا الاستسلام. طيلة أيام العدوان، كانوا يوجّهون صواريخهم باتجاه المواقع العسكرية السعودية، ولعلّ صاروخهم الذي ضرب مدينة الطائف القريبة لمكة المكرمة وأربك آل سعود لأيام الى أن اعترفوا بوقوعه، دليلٌ مباشر على حجم القدرة التي يتمتّعون بها.
عجز السعوديون خلال عدوانهم المتواصل منذ ما قبل الـ2016 عن تحقيق أيّ إنجاز، لم يتمكّنوا من هزيمة "أنصار الله" وتدمير صواريخهم، ولم يحموا حدود مملكتهم، لا بل انشغلوا بتعداد قتلاهم وأسراهم وقتلى الجيوش الخليجية التي ساندتهم في الحرب إضافة الى آليّاتهم ودباباتهم المحطّمة وطائراتهم المُسقطة، والأسوأ تكبّدهم خسائر مالية فادحة تعدّت الـ 20 مليار دولار.. إخفاقات تحدّث عنها المغرّد الشهير مجتهد أكثر من مرة وتحديدًا عندما كشف أن "عدد القتلى السعوديين عند الحدود 4 أضعاف الرقم المعلن".
الحرب اليمنية أنهكت السعودية في هذا العام، وهذا ما تجلّى بشكل واضح على صعيد أزمتها المالية المفتوحة.. أعباءٌ متزايدة جراء الإنفاق العسكري المُرتفع للمملكة، مقابل ضعف الرؤية الاقتصادية التي أُقرّت على أساس تحقيق تقدم وإنجازات، بينما تعيش انهيارات طالت شركات عملاقة كان لها الباع الطويل في مسيرة إعمار المملكة هذا الى جانب عجز بعضها كما جرى مع "سعودي أوجيه و"أرامكو" و"بن لادن". شركاتٌ وصلت إلى حدّ الحديث عن إفلاس يصيب الدولة السعودية، ولا سيّما في ظلّ بروز فضائح تتعلّق بفشل مشاريع عقارية وإنشاءات في عدة مناطق داخل المملكة سببها الأساسي الفساد الإداري وإهمال القيّمين عليها من دون حسيب أو رقيب.
الى جانب الاستنزاف المالي، شهدت المملكة هذا العام تغييرات أكثر من مرة على صعيد المناصب في الدولة. الملك سلمان أقال وزير العمل، ثمّ أمر بتشكيل هيئة كبار العلماء وزيادة عدد أعضائه، كما طالت أوامره تعيينات في عدد من مرافق الدولة ومجلس الشورى، واتخذ مؤخّرًا قرارات وصفها بالمؤلمة لحماية اقتصاد المملكة، الى أن أُعلنت موازنة العام 2017 بعجز 198 مليار ريال وزيادة الإنفاق العسكري بنسبة 6.7%.
من بين التخبّطات التي عاشتها المملكة ما كشفته الصحف الأجنبية عن تنافس بين شخصيات وأجنحة داخل العائلة السعودية الحاكمة، ولا سيّما بعد سيطرة محمد بن سلمان، نجل الملك، على كلّ مفاصل السلطة وصولًا الى الإعلام، ما وتّر العلاقة بين المحمدين (ابن سلمان ووليّ العهد محمد بن نايف).
أكثر من مأزق "خارجي" واجهته المملكة هذه السنة، علاقتها المترنّحة مع الولايات المتحدة وخصوصًا بعد فشلها في إيقاف صدور قانون "جاستا" الرامي الى مقاضاة شخصيّاتها المتورطّة في هجمات 11 أيلول/سبتمبر. توتّر بَانَ الى العلن، حاولت التعويض عنه عبر تعزيز العلاقات مع "اسرائيل" الى حدّ تطبيعها. هذا العام كان مسرحًا للقاءاتٍ سعودية ـ اسرائيلية وخصوصًا بعد زيارة اللواء السابق في الاستخبارات السعودية أنور ماجد عشقي "تل أبيب" بمرافقة عدد من الأكاديميين السعوديين ورجال الأعمال في المملكة.
كذلك فشلت السعودية خلال سنة 2016 في إمرار مشروع "الاتحاد الخليجي" بين دول مجلس التعاون، والذي طرحه الملك سلمان بن عبد العزيز في قمة المنامة الأخيرة، ثمّ فشلت في تحقيق أيّ تقدم نوعي أو إستراتيجي في العراق أو سوريا على الرغم من كلّ الثقل الذي قدمته المملكة للمجموعات المسلّحة والإرهابيين هناك، والدليل أن قوات الحشد الشعبي العراقي والجيش السوري وحلفائها يحققون الإنجازات الكبيرة في الموصل وحلب وغيرهما من المناطق.
خيبةٌ سعودية أخرى سُجّلت في الملفّ اللبناني، فبعد طول انتظار رضخت المملكة لوصول حليف حزب الله العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، فيما تزعزعت علاقتها مع مصر على الرغم من كل تقديماتها للجانب المصري وزيارة الملك سلمان للقاهرة وتوقيع اتفاقيات عديدة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي. خلافٌ تفجّر على خلفية موقف مصر من الأزمة السورية في مجلس الأمن وتصرفات محمد بن سلمان التي تعتبرها القاهرة غير مسؤولة، فيما لم تُفلح الوساطات الكويتية والإماراتية في احتوائه.
البحرين: مملكة الطغيان والاستبداد
خليجيًا، تربّعت البحرين على عرش الإنتهاكات الحقوقية والإضطهاد الطائفي خلال عام 2016، فكلّلت إجراءاتها التعسفية بنزع الجنسية عن أكبر مرجعية دينية في البلاد آية الله الشيخ عيسى قاسم، ثمّ تشديد الحكم بحقّ داعية السلمية في البحرين الأمين العام لجمعية "الوفاق" الشيخ علي سلمان ورفعه الى السجن 9 سنوات.
الاعتقالات تواصلت طيلة العام المُنصرم في البحرين، والأحكام الجائرة بحقّ المُعارضين لم تتوقّف.. سنواتُ سجنٍ طويلة وتعذيب داخل المعتقلات أمام مرأى من العالم الذي لم يحرّك ساكنًا لإنقاذ الوضع، على الرغم من التحذيرات والاستنكارات والإدانات التي أصدرتها منظمات حقوق الإنسان أكثر من مرّة وتحديدًا منظمتي "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش".
الاضطهاد الطائفي في البحرين طال عددًا كبيرًا من رجال الدين الذين أضحى معظهم وراء القضبان، حتى باتوا ورموز المعارضة جميعًا موزّعين بين سجني "جو" و"الحوض الجاف"، أمّا من بقي طليقًا فيُدرك أن الدور سيصل إليه عاجلًا أم آجلًا.
لم يُكتب للأزمة السياسية المستفحلة أن تنتهي هذا العام في البحرين، فالملك حمد بن عيسى آل خليفة ظلّ مصرًّا على عدم سماع مطالب المعارضة السلمية، مكرّسًا استبداده بالحكم، وهو ما رأى فيه أبناء الشعب دافعًا لمواصلة حراكهم السياسي والدفاع عن حقوقهم ورفع شعارات الحرية والديمقراطية، فلم ينفكّوا عن التظاهر والخروج في المسيرات صباحًا ومساءً، وحتى النزول الى الساحات للدفاع عن العمائم التي تُحاكم ظلمًا، وافتراش ساحة الفداء في الدراز مسقط رأس آية الله قاسم منذ أكثر من 6 أشهر.
الدولة البحرينية استمرّت في التسلّح خلال العام 2016، على الرغم من كلّ التقارير التي أثبتت لجوءها الى السلاح أثناء قمع المتظاهرين السلميين، هذا بموازاة مواصلة مؤازرتها للسعودية في عدوانها على اليمن، وشنّ الغارات على المدنيين العزل هناك، والتسبّب بسقوط شهداء وجرحى بالمئات دون أي رادع أخلاقيّ.
البحرين فضّلت أن تختم سنتها بمشهد معيب لم تجد خجلًا في إعلانه، فملكها دعا وفدًا من حاخامات حركة "حباد" اليهوديّة المتطرّفة لزيارة المنامة والاحتفال بما يسمى بـ"عيد الحانوكاه اليهوديّ". المسألة لم تنتهِ باجتماع أو مصافحة، بل تشارك البحرينيون المُضيفون رقصة يهودية مع الوفد الزائر على أنغام الأغنية التي تروّج لبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، غير مكترثين الى أن حركة "حباد" تدعو لذبح العرب.

خليج 2016: عام الانحدار والتهوّر
قطر: سنة التقلّبات
قطر هي الأخرى أكملت مساندة آلة القتل السعودية في اليمن، وأكملت أيضًا مدّ المجموعات الإرهابية بالمال والسلاح والعتاد، وهو ما أعلنه صراحة وزير خارجيتها محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
خلال العام الفائت، أصدر أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني أوامر بإعادة تشكيل مجلس الوزراء، وشهدت الإمارة الصغيرة أزمة عمالية فضحت مزاعم الإصلاحات التي كانت تتحدّث عنها، وهو ما أكّدته منظمة العفو الدولية التي انتقدت قوانين العمل السارية المفعول بحقّ العمال الأجانب. الوضع المالي لم يكن أفضل في قطر، فحكومتها قدّرت عجزًا في ميزانيتها يفوق 12 مليار دولار لعام 2016، إلى جانب عجز إضافي يمتد الى 2017 و2018 وذلك للمرة الأولى منذ 15 عامًا، الأمر الذي دفع أمير البلاد الى الدعوة لإجراء تغيير في ثقافتها الاستهلاكية والتخلّص من الإسراف والتبذير.
سياسيًا، توتّرت هذه السنة علاقة قطر بمصر، بعدما تحدّثت معطيات الأخيرة عن تورّط قطري ولو بعيد في تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة، الأمر الذي انعكس انزعاجًا علنيًا عبّرت عنه الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي.
الكويت: غياب الاستقرار الإقتصادي والسياسي
الكويت شغلت الإعلام خلال العام 2016 بفعل أزماتها الاقتصادية والسياسية المتتالية. إجراءات تقشّف ورفع أسعار للوقود وخفض الدعم عن مواد أخرى، خطواتٌ تسبّبت في تعميق الخلافات بين الحكومة ومجلس الأمة، ما دفع أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح إلى حلّ المجلس في أكتوبر/تشرين الأول الماضي تمهيدًا لانتخابات جديدة. في يونيو/حزيران، حصلت الحكومة الكويتية على موافقة البرلمان على الخطة التي أعلنتها لإصلاح أوضاع الاقتصاد على المدى المتوسط، وعرفت بوثيقة الإصلاح الاقتصادي، وتهدف إلى إصلاح الميزانية العامة، وإعادة رسم دور الدولة في الاقتصاد، وزيادة دور القطاع الخاص، وتفعيل مشاركة المواطنين في تملك المشروعات العامة، وإصلاح سوق العمل.
ضائقة اقتصادية أدّت بالنتيجة الى إجراء انتخابات لمجلس الأمة ورئيس له وتعيين رئيس حكومة جديد، لكن الأبرز كان التمايز الخليجي في المواقف التي أطلقها أمير البلاد خلال القمة الأخيرة لمجلس التعاون الخليجي، إذ دعا فيها للبحث عن مجالات تعاون لمواجهة أزمة النفط، مؤكدًا أهمية التوصل إلى حلّ سياسي للأزمة السورية، لافتًا إلى ضرورة إقامة حوار بناء بين دول الخليج والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
للكويت دورٌ في سنة 2016 في الحوار اليمني الذي استضافته على أراضيها، وشبه دورٍ على صعيد المصالحة بين مصر والسعودية.
حقوقيًّا، أثبتت الكويت انصياعها للأوامر السعودية، وهو ما تجلّى في محاكمة عضو مجلس الأمة السابق والناشط الحقوقي العالمي عبد الحميد دشتي على خلفية انتقاده العدوان على اليمن ودعمه للجيش والشعب السوري. محاكمة استغرقت أشهرًا لتنتهي بإسقاط براءته والحكم بسجنه 10 سنوات، ليصبح مجموع أحكام سجنه 42 عامًا و6 أشهر.
دشتي كشف الإذعان الكويتي للرياض، فهو كان قد غرّد مؤخرًا كاشفًا أن وزارة الداخلية السعودية ومدير مكتب وليّ وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان هدداه وأبلغاه بالأحكام التي ستصدر بحقّه.
الإمارات: عام سيّئ اقتصاديًا وعسكريًا
خلال الـ2016، تابعت الإمارات مشاركتها في العدوان على اليمن، متكبّدة مزيدًا من الخسائر في الأرواح والعتاد، ولعلّ أبرزها السفينة الحربية الإماراتية التي استهدفتها القوة الصاروخية اليمنية في تشرين الأول/نوفمبر الماضي قبالة سواحل المخا في البحر الأحمر، ما شكّل ضربة فادحة للترسانة العسكرية الإماراتية.
على المستوى الإقتصادي، أكد تقرير لشركة "مورغان مكينلي" للتوظيف أن سوق وظائف النفط والغاز في الإمارات سجّل هذه السنة أسوأ عام منذ أكثر من عشر سنوات في 2016.
هذا التقرير يأتي بعدما كانت الإمارات قد قلّصت أسوة بشقيقاتها الخليجيات الإنفاق على عدد من مشروعات البناء، مخفّضة دعم الطاقة لتقليص عجز الميزانية الناجم عن النفط الرخيص.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018