ارشيف من :أخبار لبنانية
الديمقراطية المزيفة
العماد ميشال عون
صحيح أن الإنتخابات لم تكن يوماً عملية مثالية في لبنان، ولكن ككل شعب ينشد دوماً الأفضل، سعينا لأن يكون لدينا قانون يحسَّن الأداء الإنتخابي، فإذا بنا بعد إقرار هذا القانون نقع في الأسوأ، وينحدر الواقع إلى أسفل الدرجات. وبعد أن جرت الإنتخابات مع ما تخلّلها من عمليات تضليل وإفساد يندى لها الجبين، أصبحنا ملزمين بالقيام بعملية تقويم شاملة لهذا الحدث بعد ما أصيب مجتمعنا بتحطيم منهجي لجميع القيم التي تشكل مقوّماته الأساسية.
من المتعارف عليه، والمعتمد في المجتمعات، أن هناك قواعد أخلاقية وقانونية تُحترم في التعاطي في مختلف ميادين الحياة العامة والخاصة، وهي تشكل ضوابط السلوك والكلام، وتُعتبر المعايير والمقاييس الواجب احترامها، وعلى أساسها تجري المحاسبة الأخلاقية والقانونية. لكن، مع الأسف، إن ما نعيشه في لبنان من تفلّت ضوابط الكلام في الإعلام والإعلان والخطاب السياسي، واعتماد حرية الإتهام ومحاكمة النوايا، والتحريض الغرائزي، وخلق أخطار وهمية لتغطية الأخطار الحقيقية الجاثمة على صدورنا، هو لشل التفكير الصحيح وإثارة العصبيات الدفينة وتعطيل الخيارات العقلانية الواعية.
لماذا كل هذا الفساد المبرمج؟ وهل الفساد ضريبة مفروضة على مجتمعنا فقط؟ بالطبع لا، فالفساد جزء من الطبيعة البشرية، ولكنه يكافَح بالتربية من خلال تنمية سلم القيم، وبالقانون من خلال التشريع، فمفاعيله فتاكة وقد تذهب من سرقة أموال الأفراد حتى إغتيالهم ومن خيانة وطن حتى بيعه بالمزاد.
وكان من الطبيعي أن يدافع الفاسدون والمفسدون عن أنفسهم مباشرة أو بواسطة أصوات المفسَدين في جميع مؤسسات المجتمع. في هذه الأجواء، انعدمت تقريباً الأصوات الناقدة للفساد أو المنددة بهذه الآفة، وكان القليل الذي سمعناه من اتهام ونقد يُجهِّل فاعل الأذى، ويعمّم أخطاءه وخطاياه على الجميع، وهذا النوع من الإدانة الجماعية يضيع المسؤولية، ويقتل القدرة على التمييز عند المواطن بدل تعزيز الحس النقدي، فيغرقه في الجهل واليأس، ويخلق عنده شعوراً وكأن المجتمع اعتمد الفساد عادةً من عاداته أو تقليداً من تقاليده، بحيث يصبح عدم القبول به شواذاً ومشكلةَ أفرادٍ هامشيين لا ينسجمون مع تطور بيئتهم.
نحن نعيش مشكلة مجتمع اضمحلت أحلامه وآماله مع تراكم الصدمات المتتالية، وهو يكتشف يوماً بعد يوم كم كانت الوعود المقطوعة له كاذبة، وكم كانت التحاليل سخيفة ومبتذلة، وكم كان الإعلام مضللاً. في هذه الأجواء جرت الإنتخابات، وبين حدَّي الخوف والإغراء كان عليه أن يختار، فالحدّ الأول هو الخوف من مخاطر وهمية اختلقها محترفو الكذب والرياء الذي يرون في الوقاحة جرأة والخدعة حكمة يمارسونها على أنفسهم أولآً وعلى الآخرين ثانياً، كما لو أنّ هؤلاء البلهاء بمنأى عن مساوئها. وتدرّجت المخاوف من استعمال حزب الله السلاح ضد المواطنين الآمنين، إلى فرض نظام ولاية الفقيه الإسلامي، إلى فرض الحجاب على المرأة المسيحية، إلى ما هنالك من ممارسات وتقاليد تختلف عما يمارسه المسيحيون، بالإضافة إلى إجتياحٍ سوري - فارسي يغطيه سياسياً العماد ميشال عون.. هذا في ما يتعلق بالمقاومة، أما في ما يتعلق بالمخاوف الأخرى فكانت التهم الزائفة، من مهاجمة البطريرك الماروني إلى تقصير ولاية الرئيس إلى تخفيض التمثيل المسيحي بالمثالثة والإيحاء بأن الرموز الوطنية مهددة بالتغيير.
أما الحد الثاني فكان الإغراء بالمال، فأغرقت السوق الإنتخابية بالبترودولار، وخضعت أسعار الأصوات لقانون العرض والطلب فبلغت سقفاً غير مسبوق، كما أصبحت مشهداً طبيعياً في مسرحية الإنتخابات لم تحذفه مراقبة الأجهزة مجتمعة. ولربما لعب المال دوراً مهدئاً فطغت أجواء المزاد على الأصوات بدل العنف، فكان لنا الهدوء الذي نعمنا به في يوم الاقتراع.
مساءً أسدل الستار على المسرح الإنتخابي، وصفق جمهور المراقبين المشاهدين؛ لقد مرّ يوم الإنتخابات بسلام، وهنّأنا العالم بالسلامة، وشهد لنا بحسنا الديموقراطي، وحاول أن ينفخ صدورنا فخراً واعتزازاً، وأن يوحي لنا بأننا هيكل الحرية وحماة الرأي الحر في هذا الشرق، وكأنه يريد أن يدفعنا في طريق الغي والغرور كي لا نحرّر نفوسنا من رواسب تعيق تقدمنا وتجعلنا بالفعل على مستوى الإنسان الديمقراطي المتطور، لا على مستوى التاجر الصغير المفاصِل على الأثمان في سوق الرقيق الأبيض.
نشكر الله على أن جنود جدعون ما زالوا كثراً، فصمدوا بوجه العاصفة. وفي النهاية، هؤلاء هم "الحجر القفل" clé de voûte في عقد الصرح الوطني الذي تصطف إلى جانبه الأحجار الباقية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018