ارشيف من :أخبار لبنانية

فـي مديـح وليـد جنبـلاط.. مـع وقـف التنفيـذ

فـي مديـح وليـد جنبـلاط.. مـع وقـف التنفيـذ

صحيفة "السفير" - نصري الصايغ

وليد جنبلاط ذاهب إلى مكان محدّد وثابت يدعى «إلى أين».

لا يشبه لبنان شعبه كثيراً. إنه يشبه زعماءه. يكاد لبنان أن يكون صورة طبق الأصل عن زعاماته التاريخية، وزعاماته الراهنة.

وتلك مأساته وملهاته. فصل للدماء، وآخر للسخرية.

سيقال الكثير عن هواية وليد جنبلاط في السياسة، عن دورانه الذي لا يتوقف. عن تقدمه وتراجعه. عن حاسة الشم عنده وعن جرأته وفرادته. سيقال الكثير، إلا أن ما لن يقال: لبنان، برمته، يشبه وليد جنبلاط. وكثيرون، من زملائه ورتبته، لا يجرؤون على السفور في مواقفهم. هم أهل تقية في السياسة، فيما هم، مثله، أهل انتقال، كالرحل في السياسة، من قطب إلى قطب، من شمال إلى جنوب... والاهتداء، على طريقة بولس الرسول، يحصل في الطريق إلى دمشق، ويتحول شاوول، من بدوي وثني إلى رسول ديني.

يترجم هذا المشهد في السياسة، ونحصل على التالي:

غادر وليد جنبلاط 14 آذار، كما غادر من قبل المواقع المناقضة. كان هو في رواح ومجيء دائمين في السياسة. ولغته، تكشف عن طبيعته الفريدة، كزعيم لبناني، من خلال تزعمه الدائم والمبرم لطائفته.

غادر وليد سوريا من قبل، بعدما غادرته، ربما.. ومن تتخلَّ عنه دمشق، لا يهدأ، كي يصل إلى عاصمة تؤمن حماية، أو تقدم مشروعاً، ينتهي بالفشل. فدمشق هي الثابت، ولبنان هو التغير. وبعد كل تغيّر دم وسقوط وعودة إلى «العلاقات المميزة» أو «العلاقة الدونية»، سيّان.

«جنبلاط ذاهب إلى دمشق... لم لا»؟ كتبتها منذ ثلاثة أشهر. ولم يكن ذلك اكتشافا. لأن الطرق السياسية في لبنان، دائرية. خذوا ميشال المر. إنه أكثر «الزعامات!» التفافاً. من إلى فـ. ثم.. هلم جراً. المهم البناء في الدوران إلى ما لا نهاية.

يشبه لبنان زعماءه، تلك مأساته وملهاته... دمه وسخريته.

لماذا يتغير وليد جنبلاط بسرعة؟

هو لا يتغير أبدا. وليد جنبلاط هو وليد جنبلاط. ولأن لبنان في حالة دوران حول ذاته، وحول الآخرين أيضا، فإنه يجد نفسه، لحماية موقعه وحماية طائفته، وحماية لبنانه، مضطرا لأن يستقل مرة قطار الشرق السريع، ومرة خيول العرب الأصيلة، ومرة قطار الغرب... فأنا الغريق وما خوفي من البلل.

إنه، ككل الطوائف، يعيش في خوف، فوق جبل محاط بأودية طائفية سحيقة، لها امتدادات ثابتة الجذور، في مصر عبد الناصر، في سعودية فيصل وورثته، وفي إيران ولاية الفقيه، وفي سوريا قلب العروبة، وقلب اللعبة، وفي عواصم الغرب.

لبنان «دولة»، لا جوانية لها، دولة معلّقة على حبال الهواء الإقليمية والدولية وما بينهما.

كل طائفة دولة صغيرة، تقوم على أود الطاعة من قبل أتباعها، وعلى كسرة المساعدات الخارجية، لتستوي بحصتها في وليمة الفتات والقهر.

وليد جنبلاط، يستثني نفسه من هذه المعادلة. فلا عمق إقليميا لزعامته ومذهبه. هو قائد، جاء من تاريخ الجبل اللبناني (الدرزي)، وقبيلته الطائفية، بلا امتداد في الجغرافيا. التوزع الدرزي عدوه، العدد الصغير خصمه... الأعداد الطائفية التي تحيط به جغرافياً تخيفه. الجنس العاطل، يضعه في دوامة التاريخ الماضي.

لذلك هو ملزم بالبحث الدائم عن الخلاص المؤقت، عن النجاة الخطرة (راح إلى أميركا). المفاهيم لا تنفع. العقائد لا تفيد. التغير وحده، مع المتغيرات الإقليمية والدولية، يجعله في حالة يقظة دائمة. هو بحاجة إلى حليف قوي في الداخل... حليف إقليمي في الخارج... هو بحاجة ماسة إلى أن يكون الطرف المتطرف في معادلة الصراع الوسط، لا يناسب زعامته ولا طائفته.

الآخرون، في مصاف زعماء الطوائف، يشبهونه، إلا أنهم ملزمون بالتغير، بعد طلب الإذن. يرغبون في الخروج عن الطاعة، ولا يفلحون. الزعامة السنية مدعومة ومرابطة في السعودية. الزعامة الشيعية مدعومة ومقيمة في إيران. الزعامات المسيحية، لا إقامة دائمة لها مع أحد... ولكنها في الغرب، موضع اهتمام في أداء اللعبة لوظيفتها، معهم أو ضدهم.

غادر وليد جنبلاط 14 آذار. «برافو» فلمن ترك زملاءه؟ إلى أين سيذهبون؟ هل من الجائز تركهم في مكان إقامتهم؟

غادر وليد 14 آذار، ولن ينضم إلى 8 آذار. لا أكثرية بعد اليوم ولا معارضة. معادلة مائعة. أرقام بلا قدرة على جمعها أو طرحها. فوضى سياسية، يحتاج عبقري التوافق، إلى بناء السلطة على ركامها.

غيره لن يغادر مواقعه، لأنه ينتظر سين سين. ومصر وباريس وأوباما. جنبلاط، خرج من قاعة الانتظار وسينتظم قريبا، ملوحا لأصدقائه الذين التزم قيادتهم: «غود باي»... وإلى اللقاء في موسم سياسي مقبل...

هذا هو لبنان.

لكن هذا الخروج، كنت أفترض ألا يكون سياسيا. أضاع جنبلاط الفرصة على اللبنانيين الذين خرجوا من خوفهم الطوائفي إلى الأبد. أضاع الفرصة على من يريدون لبنان دولة تحمي كل أبنائها، لا طوائفها (وهي عاجزة لأنها مستلبة من الطوائف وامتداداتها الخارجية). أضاع الفرصة، لإجراء إصلاح حقيقي، يخرج الزعماء من دوامة الدوران والنفاق والدجل والانتهاز.

كان يفترض به أن يخرج من التموضع السياسي، إلى جذب الآخرين إلى التموضع الوطني.

كيف؟
في لقاء مصارحة... «ليس لدينا إلا هذا النظام». هو أزمتنا. إذاً، فلنصلحه. لِمَ ترك أصدقاءه وحيدين؟ لماذا لم يقدهم إلى الدائرة الوطنية. أي، إلى اتفاق يخرج لبنان برمته من حال اجترار ذاته بطريقة بذيئة ومهترئة.

لماذا لم يقل: الإصلاح بحاجة إلى قيادة... كمال جنبلاط مثلها مع الحركة الوطنية. كان درزياً عند الحاجة ووطنياً وعربياً واشتراكياً في حالات المواجهة الكبرى. فعلها ودفع الثمن. فلنفعلها مرة أخرى.

فليقل ذلك علناً: انتهت المأساة ـ المهزلة. فلنبن خشبة جديدة لمسرحنا الوطني السياسي. لنطبق التعديلات الخاصة بإلغاء الطائفية السياسية. لنبدأ بقانون انتخابي خارج القيد الطائفي، وبنسبية التمثيل. فليقل علينا أن ننتقل من طوائفنا إلى الوطن. فليترجل عن زعامة الطائفة. فليطلقها. فليحل حزبه الاشتراكي الدرزي وليبن حزب القلة... فليفعل شيئا... وعندها يكون لبنان قد انتقل إلى موقع الثبات. عندها، يصبح لبنان شبيهاً بشعبه.

الفرصــة لم تضــع كلــها... ما زال الوقــت باكــرا، أمام إعلان اليأس التام.


2009-08-03