ارشيف من :أخبار لبنانية

السفير : جعجع يهاجم رئيس "التقدمي": تخلى عنا ويقدم أوراق اعتماده للسوريين والإيرانيين

السفير : جعجع يهاجم رئيس "التقدمي": تخلى عنا ويقدم أوراق اعتماده للسوريين والإيرانيين

كتبت "السفير" تقول , لقد ظلّت مفاعيل "مفاجأة" وليد جنبلاط، بانسحابه من "تحالف الضرورة" حاضرة في كل التفاصيل الداخلية، فإذا به يتقن مجدداً الانعطافة، وفي التوقيت الذي اعتقده مناسباً، ولكنه كان محيراً للكثيرين من "المحتفلين" به أو "الغاضبين" عليه، خاصة أن شبهة الترابط بين إعلان "الانسحاب" من 14 آذار، وعدم إنجاز عملية تأليف الحكومة، بدت جلية، لا بل هي العنوان الكبير، ذلك أن وليد جنبلاط، كان بمقدوره أن يؤجل "مفاجأته المتوقعة"، على الأقل، في انتظار أن ينتهي الرئيس المكلف سعد الحريري من وضع اللمسات الأخيرة على حكومته الأولى.

والسؤال المطروح، لماذا قرر جنبلاط تظهير موقفه في هذه اللحظة، وهل تعمّد تصعيب التأليف ومهمة الرئيس المكلف أو إضعافه بإظهاره أنه لم يعد يملك الأكثرية البرلمانية وأن واجبه معه ومع "الآخرين" قد انتهى بانتهاء الانتخابات النيابية وفوز الأكثرية، ومن ثم بوصول سعد الحريري إلى سدة رئاسة الحكومة التي كان ينشدها بينما كان لجنبلاط رأي آخر فيها لم يعبر عنه حتى الآن؟

ماذا يفيد إضعاف الرئيس المكلف في المعادلة الداخلية؟ وهل هو قرار منسق مع أطراف داخلية وخارجية؟

وهل يمكن أن يجعل ولادة الحكومة مستحيلة من دون تفاهم كبير بين السعوديين والسوريين؟

هل نكون بما حصل قد عدنا إلى زمن رفيق الحريري، بأن يكون سعد الحريري المتقدم بين مجموعة متساوين، هل ما قام به وليد جنبلاط هو نوع من إعادة الأمور إلى نصاب معادلة اتفاق الطائف، بعدما بلغت الأمور حد بروز مخاوف لدى البعض إسلامياً ومسيحياً، من ملامح تكريس أرجحية جديدة في السلطة السياسية؟

لماذا قرر وليد جنبلاط إعادة سيناريو العام ألفين وخمسة ولكن بالمقلوب، عندما أهدى الأكثرية أكثريتها بتحالفه معها هذه المرة وحتى بتقديمه تنازلات قسرية لمن لم يطق أن تلتقط له معهم صورة تذكارية في الانتخابات الأخيرة؟... وهكذا وجدنا أن من قاد عملية الانقلاب على "التحالف الرباعي" في 2005، بعد أن استفاد منه بعشرة مقاعد هي مجموع مقاعد بعبدا وعاليه (باستثناء النائب علي عمار)، قد قرر هذه المرة الانقلاب على نتيجة انتخابات 2009، ما أدى إلى جعل حلفائه يخسرون فجأة عشرة مقاعد أفقدتهم أكثريتهم؟

وإذا كان وليد جنبلاط قد فعل ما فعله في العام ألفين وخمسة، بالتنسيق مع السعوديين والأميركيين، فإن السؤال المطروح، هل ما فعله بالأمس، كان منسّقاً مع السعوديين ويخدم بطريقة أو بأخرى قرارهم الاستراتيجي بالانفتاح على دمشق وعدم العودة بالعلاقة معها إلى الوراء، وهل ما قام به يزيد رصيده السوري قبل أن يتوجّه إلى دمشق، من بعد زيارة الرئيس المكلف إليها؟

كيف يمكن تفسير التقبّل السعودي الهادئ لموقف جنبلاط وصولاً إلى حد إيجاد مبررات لما قام به، ولماذا لم يقل الأميركيون في بيروت حتى الآن كلمة سلبية واحدة بحق رئيس "اللقاء الديموقراطي"؟

لماذا قرر وليد جنبلاط تأجيل موعد زيارته لتلبية الدعوة إلى غداء يقيمه السفير الإيراني في بيروت غداً، وما مدى صحة ما قاله أحد المقربين منه بأن الهدف من التأجيل هو التشاور المسبق مع القيادة السعودية؟ وهل يعني ذلك أن جنبلاط على تواصل يومي مع الرياض وهل ننتظر منه أن يزور العاصمة السعودية في شهر رمضان المبارك وأن يمضي عيد الفطر السعيد في العاصمة السورية؟

الأسئلة كثيرة، أما التبريرات الحزبية الداخلية، التي حاول جنبلاط تقديمها إلى حلفائه السابقين خاصة "تيار المستقبل" ومسيحيي 14 آذار، من خلال بعض معاونيه السياسيين، أمس، فقد كانت باهتة للغاية وغير مقنعة، خاصة أن الغلاف الحزبي لم ينطل على أحد، لا بل قال أحد المطلين على جنبلاط بصورة شبه يومية أن قضية "دير شبيغل" جاءت إليه في اللحظة المناسبة وأعطته ذريعة الانسحاب من 14 آذار، "من موقع الحرص على عدم وقوع الفتنة الكبرى بين المسلمين".

سياسياً، لم تقتصر تداعيات المفاجأة الجنبلاطية، على 14 آذار بل تعدّتها نحو مجمل مسار عملية تأليف الحكومة الجديدة، خاصة أن جنبلاط أكد ل"السفير"، أمس، استقلاليته عن الاستقطابين الكبيرين (8 و14 آذار)، وقال إنه بات يمثل حالة مستقلة.

وأوضح جنبلاط ل "السفير" إن موقفه السياسي المتمايز عن 14 آذار "لا يعني التسبّب في تعطيل تشكيل الحكومة"، مشيراً الى حرصه على نجاح الجهود التي يبذلها رئيسا الجمهورية والحكومة من أجل الإسراع في تأليف الحكومة.

وأضاف جنبلاط: "همي الأساسي هو متابعة معالجة رواسب 7 أيار على الصعد كافة، ولا سيما داخل الحزب التقدمي الاشتراكي، وداخل بعض الأوساط الدرزية خارج الحزب". وقال: "في ذكرى مصالحة الجبل، أؤكد أن المصالحة يجب أن تشمل الجميع من دون استثناء".

وحول كيفية تموضع وزراء "اللقاء الديموقراطي" الثلاثة، داخل الحكومة المقبلة بعد التحول الذي حصل في موقعه السياسي، أوضح جنبلاط ل "السفير" إن وزراءه في الحكومة "ستكون لهم حيثية خاصة"، من دون أن يكونوا محسوبين على هذا الطرف أو ذاك، وكشف ان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلف سعد الحريري والرئيس نبيه بري وقيادة "حزب الله" اتفقوا، كما فهمت، على أن تخضع المواضيع السياسية وغير السياسية الأساسية، ومنها التعيينات الأمنية وغيرها، إلى التوافق قبل اتخاذ أي قرار بشأنها، في مجلس الوزراء، على أن يكون رئيس الجمهورية هو الضامن للجميع.

وأوضح جنبلاط أنه ما زال عند موقفه لجهة انه سيزور سوريا بعد زيارة الرئيس سعد الحريري لها وليس قبل ذلك أبداً.

وفيما توزعت مواقف فريق الرابع عشر من آذار، بين محاولة إيجاد مبررات لمواقف جنبلاط، وبين شن هجوم سياسي عليه، لوحظ أن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع كان أعنف المنتقدين أمام كوادر "قواتية"، قائلاً إن جنبلاط يحاول تقديم أوراق اعتماده إلى السوريين والإيرانيين بعدما اتخذ قراراً لا عودة عنه بالمهادنة معهم حرصاً على الدروز كأقلية. وقال جعجع في تسجيل بثته محطة "نيو. تي. في"، ليل أمس، خلال استقباله وفد الرابطة المارونية: "لقد انتظرونا حتى وصلنا إلى هنا ثم تخلوا عنا"!

وقالت مصادر مطلعة ل"السفير" بأن تريّث جعجع في الرد العلني مردّه الوساطة التي قام بها "تيار المستقبل"، حيث طلب منه الحريري "التحلي بالهدوء" لفترة وجيزة ريثما ينجلي غبار مواقف جنبلاط، وأشارت المصادر ذاتها الى أن جعجع "كان يعتزم، أمس، عقد مؤتمر صحافي للردّ بعنف على مواقف جنبلاط، إلا أن تدخلات الحريري جعلته يكتفي بتصريح مقتضب".
 
وفيما "قنّن إعلام "تيار المستقبل" الردود السياسية وحصرها بالبيان الرسمي الصادر عن "التيار"، أمس الأول، من المقرر أن يصدر تكتل "لبنان أولاً" بياناً بعد اجتماعه اليوم، برئاسة سعد الحريري يعيد فيه التأكيد على ثوابت "ثورة الأرز" وتضحياتها، من دون معرفة ما إذا كان سيتم التراجع عن عبارة "التاريخ المعيب" التي جعلت وليد جنبلاط وحزبه "يأخذان على خاطرهما كثيراً"، ووصل الأمر بأحد المقربين من جنبلاط للقول إن التاريخ المعيب الذي تحدثوا عنه "كنا أنا ورفيق الحريري شركاء فيه منذ الطائف وحتى لحظة استشهاده.. وحرام الاستهانة بتاريخ وتضحيات الحزب التقدمي على مدى عشرات السنين"!

وفيما برزت، أمس، دعوات صريحة من قيادات في فريق الرابع عشر من آذار، لإعادة النظر بالتركيبة السياسية للحكومة المقبلة، في ضوء انسحاب جنبلاط من فريق الأكثرية، زار الرئيس المكلف القصر الجمهوري واجتمع بالرئيس ميشال سليمان، الذي كان فريقه السياسي يعكف على قراءة أبعاد التحول الجنبلاطي وأثره في زيادة وزن رئاسة الجمهورية في المعادلة الحكومية.

وقال مرجع سياسي ل "السفير" بعد زيارة الحريري إلى بعبدا وما تردد بأنه بات في وارد الاعتذار، "لا أعتقد ذلك والرئيس الحريري صاحب نَفَس طويل جداً، وهو مصمم على تأليف الحكومة مهما واجه من صعوبات".

وقد اعتصم الرئيس المكلف بالصمت بعد عودته الى "بيت الوسط"، ولم تظهر منه أية إشارات سلبية أم إيجابية حول قرب تشكيل الحكومة، فيما قال أحد المتابعين ل "السفير" إن الصيغة الرقمية الحكومية تغيرت عملياً، وصار فريق الرابع عشر من آذار يملك "الثلث الضامن" + واحد (12 وزيراً) بينما يملك فريق المعارضة عشرة + الوزير الملك المستور، وحافظ رئيس الجمهورية على حصته الخماسية، بما تتضمنه من وديعتين للمعارضة وللأكثرية.

أما العنصر المستجد فهو الحصة الجنبلاطية الثلاثية التي لا يمكن تصنيفها في خانة محددة وان كانت ستكون أقرب إلى رئيس الجمهورية والمعارضة في القضايا الاستراتيجية والجوهرية، بينما تصوّت في "اليوميات" لمصلحة ما يطرحه رئيس الحكومة المكلف.

ورداً على سؤال حول مصير الحكومة قال الرئيس نبيه بري ل "السفير": الضرر يكمن في التأخير، ومن الضروري جداً أن تتسارع الاتصالات في هذا السبيل. وهنا تقع المسؤولية على الجميع وبالدرجة الأولى على الرئيس المكلف لمتابعة مهمته واتصالاته مع الفرقاء، للتسريع في ولادة الحكومة في أقرب وقت ممكن.
وأكد بري ان لا مصلحة لأي طرف في الخلاف الداخلي، وفضل لو ان فرقاء الخلاف الاخير تريثوا واعتمدوا الخطاب الهادئ، وأمل ألا يؤثر ما حصل على موضوع تأليف الحكومة، مبدياً خشيته من ان الضرر سيكون كبيراً اذا لم يتم تأليف الحكومة في القريب العاجل.

وشدد بري على ان لا عودة على الإطلاق، عن الاطار السياسي الذي تم الاتفاق عليه (15/10/5)، مشيراً إلى ان كل الاطراف في الموالاة والمعارضة موافقون عليه.

وأشار بري الى ان المصلحة تستوجب عزل كل ما حصل في الساعات الأخيرة عن مسار تأليف الحكومة، التي يجب ان تشكل سريعاً، وخصوصاً أن الحكومة هي الاطار الذي يمكن ان يعود الفرقاء الى التآلف فيه.

ولم يستسغ بري فكرة "حكومة تكنوقراط" على اعتبار ان هذا النوع من الحكومات لا يمشي في لبنان، ثم ان كل الفرقاء متفقون على حكومة وحدة وطنية.

جريدة " السفير "

2009-08-04