ارشيف من :أخبار لبنانية
وليد جنبلاط: اللعب على حافة الهاوية أم العلامة الفارقة ؟
ناصر قنديل
يحلو للكثير من المحللين وصف النائب وليد جنبلاط بالعلامة الفارقة في السياسة اللبنانية، تأسيساً على مجموعة من الصفات التي يتمتع بها الرجل، وأسلوب خاص بالتعبير عن مواقفه، يحرص على تميزه والحفاظ على خصوصيته وفرادته، وعلى ما يسميه البعض قدرته على الإلتقاط المبكر لإتجاهات الرياح الدولية والإقليمية وسرعة ملاقاتها.
إحدى الصفات التي تدفع هذا البعض لإطلاق وصف العلامة الفارقة على وليد جنبلاط،، هي ثقافته الأفقية التي يسعى بإستمرار لتعميقها عبر متابعة آخر الإصدارات، و الإصرار على تخصيص جزء هام من وقته للقراءة، في وسط طبقة سياسية لا يقرأ أغلب أركانها عناوين الصحف اليومية، لكن الأبرز بين صفات العلامة الفارقة هي القدرة على تبديل المواقف والمواقع بصورة دراماتيكية، غير آبه بردود الفعل والتبعات التي تترتب على هذا التبديل، الذي يصفه البعض بالقول إن جنبلاط يملك قدرة فائقة على تبديل المواقف كقدرته على تبديل ربطة العنق التي يرتديها في المناسبات القليلة، فجنبلاط لا يحسب حساباً لجمهوره وترددات تغيير سياسته عليه، ولا للتبعات التي قد يسببها التبديل على التحالفات، وربما على وضعه الشخصي والسياسي.
لكن البعض الآخر من السياسيين والمحللين يرى أن وليد جنبلاط معجب بسياسة اللعب على حافة الهاوية، هذا الوصف الذي أطلقه ذات يوم هنري كيسينجر على الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، فجنبلاط حسب هذا البعض ظاهرة المغامرة المحسوبة في السياسة اللبنانية، فهو كممارسي رياضة ركب الموج الذين يركبون مزالجهم وسط الأمواج العاتية، ويراهنون على اللعب من داخل الموجة العالية والخروج بأمان، يصل إلى الحافة ويعود قبل أن تنقلب مزلجته ويسحبه التيار إلى حيث لا سيطرة على المستقبل.
بعض ثالث يرى في وليد جنبلاط لاعباً سياسياً معياره مركنتيلية مفرطة، ومكيافيلية تتجاوز حدود البراغماتية، التي يتزود السياسيون بفنونها ويسعون إلى إتقانها، فهو لا يقيم وزناً لما يسمى المبادئ والعقائد، لذلك هو يستطيع أن يضع معادلة هانوي أم هونغ كونغ بوجه المقاومة وينسى أنه تقدمي إشتراكي، بمثل ما يبرر سياسات الليبرالية الإقتصادية المتوحشة ويسخر من اليسار وتجاربه الفاشلة حسب رأيه، وبذات القوة يستطيع إستحضار تقدميته وإشتراكيته ويساريته، غب الطلب ويعلن حربا على تحويل بيروت إلى ملهى ليلي مفتوح، ذات يوم، ويعلن حرباً أخرى على الخصخصة، في يوم آخر، وحرباً ثالثة من أجل العمال والفلاحين، وهو يستطيع أن يقود حروب الإلغاء الطائفية والمذهبية من حرب الجبل في 1983 إلى حروب أزقة بيروت العام 1986 ، بمثل ما يستطيع أن يقود عملية فضح النظام الطائفي والكوارث التي جرها على لبنان، ويدعو لإلغاء الطائفية والمذهبية، ويستعيد هوية حزبه العلمانية، وهو الزعيم الطائفي الأقوى في طائفته بالمقارنة مع أقرانه من زعماء الطوائف، وهو كذلك النصير الأول للمقاومة الفلسطينية عام 1982 من دون أن يطلق طلقة واحدة بوجه الغزو الصهيوني للبنان، والحليف الإستراتيجي لسوريا كدرع وحاضن للعروبة بوجه المشروع الإمبريالي، وهو نفسه حامل لواء الإنقلاب عليها وصولا إلى المطالبة بغزو أميركي عسكري لقلب النظام فيها، وهو صاحب خطاب قدسية سلاح المقاومة وصاحب وصفه بسلاح الغدر.
في كل هذه الثنائيات المتناقضة، يرى هذا البعض أن وليد جنبلاط الباحث عن التميز، مدفوعاً باللعب على تناقض وزن كل من الجغرافيا والديمغرافيا في عناصر زعامته، إنما يبحث عن الموقع الحاسم في اللعبة السياسية أو ما يسمى بلغة التجار بيضة القبان. وليد جنبلاط حسب هؤلاء يضع في سلته كل الشعارات وكل التحالفات وكل المواقف، ويتناول منها ما يعتقد أنه الأنسب لصناعة هذا الدور على حافة الهاوية ليبقى العلامة الفارقة. فالجغرافيا جعلت من موقع الطائفة التي يقودها صلة الوصل الحتمية بين بيروت والجنوب والبقاع وعبره سوريا، وبالتالي بيضة القبان في الجغرافيا اللبنانية، بينما جعلت الديمغرافيا من طائفته واحدة من الطوائف الصغرى وسط ديمغرافيا الطوائف الكبرى الحريصة على تقاسم مغانم النظام الطائفي وإحتكار الأدوار الحاسمة فيه، والعاجزة عن تكريس تفاهمها من جهة، وعن إقامة الأحلاف الثنائية في قلب اللعبة الثلاثية التي تديرها، من جهةأخرى، ليصبح وليد جنبلاط الحاذق، طبشة الميزان الضروية لترجيح التحالفات، الحليف "الجوكر" الذي ينتظره الجميع ويسعى إليه ليكون في قلب أوراقه، معززا ضعف الديمغرافيا بقوة الجغرافيا، والتجرؤ على لعبة المراهنات وتغيير الخيارات، ليكون زعيم الطائفة الرابعة التي تشكل بيضة القبان في لعبة الثلاثة الكبار.
المواقف الأخيرة لوليد جنبلاط غيرت قواعد التوازنات السياسية في لبنان، بمثل ما كانت مواقفه في العام 2005 العنصر الحاسم في التغيير بمثل ما كانت مواقفه عامي 83 و 86 .
لا حرب مذهبية بين السنة والشيعة بدون جغرافيا الجبل، وبالتالي بدون وليد جنبلاط، وهكذا عندما أطلت الفتنة بقرنيها في أحداث أيار لعبها بسرعة وليد جنبلاط وبدأ رحلة التموضع، وأعاد تأكيدها في الموقف من تقرير دير شبيغل، الذي وصفه بمشروع خطير ربما يكون في مكان ما من يفكر بجعله تقريرا إتهاميا بوجه حزب الله من المحكمة الدولية، التي وضعها ذات يوم في معادلة يا قاتل يا مقتول، والمحكمة قبل الخبز، ليصفها مؤخرا بلعبة الأمم التي تريد أخذنا إلى الفوضى.
لا سقوط لإتفاق 17 أيار عام 83 لولا حلف الجبل والضاحية بالتحالف مع سوريا، فلعبها وليد جنبلاط وحرر الجبل ومعه تحررت بيروت، لكن لا تقسيم بدون وليد جنبلاط، فدغدغه حلم الإدارات المدنية وخاض حرب العلمين بوجه حركة أمل عامي 86 و 87.
لا وجود لحركة 14 آذار بدون وليد جنبلاط، فلعبها وكانت مركبه للدخول في لعبة الكبار، التي تحولت إلى حرب كونية بوجه سوريا والمقاومة، ولأن لا وجود لـ 14 آذار بدون وليد جنبلاط، ها هو يلعبها ويقود مسار تفكيكها لأنه يدرك أن الحرب إنتهت وهزم قادتها، وعلى أحد في لبنان أن يدفع ثمن الهزيمة ولن يكون وليد جنبلاط، العائد إلى خطاب العروبة واليسار وفلسطين والمقاومة، والمدرك لخطورة الإنعزال والنقطة السوداء بالتحالف مع المحافظين الجدد.
وليد جنبلاط في حلف الرابحين هذه المعادلة التي يفسر بها البعض مواقف هذا الرجل الظاهرة، لا تلغي معادلتي اللعب على حافة الهاوية والعلامة الفارقة، فهو خليط عجيب من كل ذلك، والمهم أنه ينجح في الوقت المناسب أن يكون بنقلته التي يجريها في ربع الساعة الأخير، بيضة القبان وعنصر التغيير في التوازنات.
لبنان يطوي صفحة الإنقلاب الأسود على العروبة والمقاومة وسوريا التي قادها وليد جنبلاط، بإعلان وليد جنبلاط عن تصفية الحركة التي أسسها ويستطيع إحتكار هذه الصفة فيها، نظرا لإنتهاء مدة صلاحية العبوة والتي سميت 14 آذار، مع هامش يقول، أنها صالحة لأربع سنوات فقط، ويؤدي تناولها بعد هذا التاريخ إلى التسبب بأعراض التسمم في زمن أنفلونزا الخنازير، ولمن يريد النجاة بنفسه، نصيحة وليد جنبلاط المسارعة بالقفز من المركب الغارق، كما فعل هو، لا كما سبق أن فعل عندما توهم قبل سنوات أن مركب العروبة والمقاومة وسوريا هو الغارق، وسارع للقفز منه، وها هو يعيد الإستدارة عائدا إلى مكانه الطبيعي مرحبا به بتفوق الجرأة والمهارة على صناعة الحدث والسياسة.
وليد جنبلاط لاعب على حافة الهاوية وعلامة فارقة وصانع سياسة ومكيافيلي الهوى، لكنه علامة على غياب السياسة والديمقراطية في لبنان.
جريدة البناء
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018