ارشيف من :أخبار لبنانية

جنبلاط ينفّذ برنامجاً مدروساً لاستعادة التواصل مع دمشق

جنبلاط ينفّذ برنامجاً مدروساً لاستعادة التواصل مع دمشق
ابراهيم الأمين، الاخبار

يروي النائب محمد رعد أنه التقى النائبة بهية الحريري بعد انفراط عقد التحالف الرباعي، ووجدها مزهوّة ومسرورة للغاية بموقف النائب وليد جنبلاط الذي بدأ يبتعد عن حزب الله وحلفائه، فابتسم رعد وعلّق بطريقته الباردة: لا تسرّوا كثيراً بهذا الأمر، فلا أحد يعرف متى يترككم الرجل.

ربما استخدمت هذه الرواية في معرض شرح حدود الانفعال الإيجابي الموجود لدى حزب الله إزاء ما يقوم به جنبلاط، وخصوصاً أن الحزب مطّلع على هذه الخطوات لحظة بلحظة، وهو على علم ببرنامج مقرّ عند الرجل، سواء من خلال التواصل المباشر بين جنبلاط والحزب أو من خلال الأصدقاء والوسطاء الذين يجولون على أكثر من جبهة. كذلك لكون جنبلاط يعتقد أن حزب الله هو الجهة الوحيدة التي يمكن الرهان على دور لها في معالجة ملف العلاقات اللبنانية أو علاقاته مع سوريا وإيران. لذلك كان جنبلاط شديد الصراحة في حديثه مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ولم يجامله ولم يكذب عليه. وعندما سأله نصر الله عن سبب سلوكه الموقف الذي اتخذه في الفترة السابقة، ردّ جنبلاط بصراحة شديدة: أنا أمثّل طائفة تواجه مخاطر كثيرة، وكنت في مناخ يقول بأن الولايات المتحدة والغرب في الطريق إلى إسقاط النظام في سوريا وتغيير جوهري للوضع في لبنان، ولم أكن أشعر بأنني يمكن أن أجد الملاذ لطائفتي ومجموعتي خارج هذا الخيار. وأضاف: لقد أخطأت، وها أنا أعيد حساباتي، آخذاً في الاعتبار أنني لا أريد المواجهة مع أحد، وتحديداً مع الشيعة.


يُقرّ بأن صعوبات ستواجهه في إقناع مقرّبين وأنصار بالسير خلفه❝ومع أن جنبلاط حاول تخفيف ما قام به، إلا أن نصر الله كان صريحاً معه حينما قال له: المشكلة تتجاوز الموقف الذي اتخذته لنفسك وفق حساباتك، إذ إنها تتصل بأنك تولّيت قيادة المعركة ضدنا، وكنت رأس حربة المشروع الذي هدف إلى التشكيك في سلاح المقاومة وتحويله إلى نقطة خلاف مفتوحة.

ومع أن نصر الله كان قد اشترط ـــــ أو طلب على الأقل ـــــ أن يعلن جنبلاط مسؤوليته عن أحداث 7 أيار وأن يحصل ذلك علناً قبل انعقاد اللقاء، فإن جنبلاط كان مستعداً لفعل الكثير، وهو لذلك تعمّد الظهور على التلفزيون وإعلان حكاية 5 و7 أيار. وكان مستعداً لأن يفعل كل ما تتطلّبه عملية إعادة التموضع، بما في ذلك تحمّله الإجراءات الأمنية الخاصة التي رافقت عملية نقله ـــــ وحيداً ـــــ إلى حيث استقبله نصر الله، صامتاً يقول ما يقول في قلبه.

ووفق البرنامج، فإن جنبلاط سيقدم على مزيد من الخطوات التي ترد ضمن إطار ترتيب أموره مع العاصمتين الإيرانية و السورية. وهو سيلتقي الإيرانيين الآن في لبنان، ولن يذهب بعيداً في التواصل معهم كي لا يثير حفيظة السعوديين والمصريين، رغم أنه يعتقد ـــــ بحسب ما ينقل عنه زواره ـــــ أن العلاقة مع إيران تمثل «حاجة استراتيجية في مواجهة المشروع الأميركي ـــــ الإسرائيلي». كذلك فإن جنبلاط سيستغل مناسبات عدة إعلامية أو احتفالية لإطلاق مواقف يريد من خلالها مخاطبة الشعب السوري للاعتذار منه، وخصوصاً أنه سمع كلاماً مباشراً من أحد الوسطاء، عن أن مشكلة القيادة السورية في ترتيب استقبال له الآن تعود إلى أن جنبلاط كان يقود أعنف حملة عنصرية على سوريا سبّبت موت عشرات العمال وقطع أرزاق عشرات الألوف منهم، كذلك سبّبت حنقاً لم يكن موجوداً سابقاً عند السوريين تجاه قسم من اللبنانيين. وتبلّغ جنبلاط أن هناك أمراً آخر يتصل بالرئيس السوري بشار الأسد، الذي هاجمه جنبلاط بعبارات لم يألفها أحد في السابق، وبدا تصرّف جنبلاط يومها على أساس أنه يحرق الجسور، وأنه لن يعود يوماً إلى سوريا إلا بعد سقوط النظام فيها. كل ذلك، إضافة إلى أن في دمشق من يتهم جنبلاط بأنه أدّى دوراً في تحريض معارضين سوريين على القيام بأنشطة واحتجاجات وحتى العمل على مؤامرات هدفها قلب النظام أو زعزعته أو بث الفوضى في سوريا. وكل هذه الأمور ستعود إلى واجهة العقل السوري وهو يتعامل مع ملف جنبلاط، دون أن يعني ذلك أن دمشق لا تتعامل مع الأمر وفق منظومة سياسية، وأنها تشعر بأنها أقرب الآن إلى استقبال جنبلاط وفتح صفحة جديدة معه.

لكنّ جنبلاط ليس في حالة إحباط أو تعب إزاء القيام بكل هذه الأمور، لأنه يعرف أن لكل تسوية ثمنها، وهو حاضر لدفع الثمن، لكن ما يشغل بال جنبلاط هو الواقع السياسي داخل مجموعته الحزبية والسياسية والطائفية، وهو أقرّ بعد خطاب البوريفاج بأن الأمور ليست سهلة، وتتطلب جهداً كبيراً ومتواصلاً ومكثفاً لإقناع كوادر عديدين بأن الأمور تغيّرت، وتتطلب استدارة سياسية، وقد يضطر في لحظة معينة إلى إبعاد البعض عن دائرة الضوء والقرار، بانتظار أن يحصد نتائج ما بدأه مع مجموعة كبيرة من رجال الدين المؤثرين في الأوساط الشعبية الدرزية.

الآن نحن أمام حالة من الذهول لدى قيادات وكوادر من فريق 14 آذار، لكنّها لا تعبّر عن مفاجأة حقيقية، لأن معظم قيادات هذا الفريق كانوا يتلمسون إدارة جنبلاط محرّك سيارته باتجاه دمشق، ولو أنه قرر هذه المرة أن يأخذ وقته في تنفيذ الاستدارة. لكنّ المفاجأة ترتبط إلى حد بعيد بأن قيادات 14 آذار تشعر بأن خطوة جنبلاط منسّقة بطريقة أو بأخرى مع جهات راعية لفريق الغالبية، وتحديداً مع السعودية، علماً بأن الأوساط القريبة من النائب سعد الحريري توحي بالعكس، وتقول بأن السعودية تريد العمل الآن على كبح الاندفاعة الجنبلاطية نحو حلفاء سوريا، أو على الأقل جعل هذه الخطوة تحصل بالتنسيق معها ومع قيادات جماعتها في بيروت.


2009-08-05