ارشيف من :أخبار عالمية
كوريا الشمالية صندوق بريد أميركي للصين
مع تصاعد التهديدات والمواقف النارية المتبادلة بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الشمالية، على خلفية البرنامج النووي الكوري الشمالي، كثُرت التساؤلات حول مدى أرجحية دخول أقطاب اللعبة الدولية في حرب كبرى، تكون تجارب بيونغ يانغ في إطلاق الصواريخ البالستية النووية شرارتها الأولى. وعليه، ماذا يخفي خلفه الخطاب الأميركي المتشدد تجاه بيونغ يانغ؟ وما الذي تريد أن ترسله واشنطن من رسائل للمنطقة؟ ولمن الأرجحية في تكوين صورة المشهد العالمي، للحرب أو التفاوض؟
الباحث والمحلل السياسي حسام مطر يجيب على تساؤلاتنا بأن "لخطاب ترامب المتشدد حيال كوريا الشمالية سببين، يتمثل الأول في البروباغاندا التي تعتمدها أميركا في إظهار قوتها للعالم دون أن تمارس تلك القوة ميدانيًّا، وهذا ما رأينا إرهاصاته في الضربة الأميركية على مطار الشعيرات السوري، واستخدام واشنطن قنبلة العصف الهوائي المسماة "أم القنابل" في أفغانستان، وهو ما يتجلى أيضًا في تهديدات الإدراة الأميركية لكوريا الشمالية".
وفي حديثه لموقع "العهد" الإخباري، يوضح مطر أن إدارة ترامب تحاول التأكيد أن الولايات المتحدة الأميركية ليست ضعيفة، ولا في حالة انحدار، وذلك بهدف منع القوى الدولية والإقليمية من استغلال ما تعتقد أنه ضعف، لمنافسة واشنطن أو للقيام بمقاربات تتحدى المصالح الأميركية حول العالم.

صواريخ كوريا الشمالية
أما السبب الثاني للتصعيد-بحسب الباحث السياسي- "فله علاقة بالصين، حيث أن التوتر الأميركي الكوري الشمالي هو في العمق توتر أميركي صيني"، يلفت الباحث إلى أن كوريا "هي مجرد صندوق بريد لهذا التوتر، الأميركيون يحاولون إرسال رسائل قاسية للصينيين مفادها أن هذا الزمن جديد وهناك إدارة حاسمة، هناك قرار بوقف تمدد الصين، وأن عليها الرضوخ لمبدأ التفاوض ومراعاة المصالح الأميركية في التجارة والاقتصاد والسياسة".
*أي تدحرج لحرب كبيرة ستكون نتائجها مدمرة على كل الأطراف
"التوتر على الأرجح لن يؤدي إلى صدام عسكري"؛ يقول الباحث مطر، مضيفًا أن "هناك توازن قوى قاسيًا جدًا في المنطقة، هذه الدول لديها أسلحة نووية وأي تدحرج لحرب كبيرة ستكون نتائجها مدمرة على كل الأطراف، لذلك أستبعد ان نشهد احتكاكات عسكرية كبيرة، يبقى أن الخيار الأمثل بالنسبة للأميركيين يتمثل في تعبئة الجهود الدولية ضد كوريا الشمالية، فرض قيود دبلوماسية، عقوبات اقتصادية، هجمات إلكترونية، حملات إعلامية، مزيد من العزل لكوريا، وضغط على الصين وروسيا لضبط كوريا الشمالية، وهو الحد الأقصى الممكن في المدى المنظور دون الوصول إلى صدام".
*ضرب كوريا الشمالية سيكون مغامرة عالية الثمن وسيضع العالم على شفير الحرب
الخبير في شؤون السياسة الأميركية كامل وزنة يوافق مطر في رؤيته، ففي حين يرى وزنة أن ضرب كوريا الشمالية سيكون مغامرة عالية الثمن وسيضع العالم على شفير الحرب، ويعيد إلى الواجهة "الحرب المنسية" بين الكوريتين والتي أدت إلى أكثر من 200 ألف ما بين قتيل وجريح؛ يوضح أن اللقاء الذي جرى بين الرئيسين الأميركي والصيني رشح عن إعطاء ترامب تحفيزات اقتصادية للصين، وعدم الوقوف بوجه صادراتها الضخمة مقابل قيام بكين في الحفاظ على الاستقرار في الكوريتين.
وعن رسائل الصين إلى أميركا، يقول الباحث السياسي "الصينيون قادرون على التأثير بشكل واضح على قرار كوريا الشمالية، الصين تريد توجيه رسالة للأميركيين بأن أوراقها قوية في مقابل الخطاب الهجومي لترامب على بكين، كما تريد بكين التأكيد أن في جعبتها خيارات متعددة يمكن أن تستخدمها، منها الملف الكوري الشمالي".
وفي المقلب الآخر، يدرك الزعيم الكوري كيم جونغ أون وهذا ما يعود ويشير إليه حسام مطر في حديثه معنا، قائلا إن "الأميركيين لا ينووا خوض معركة كبيرة لأن خسائرها ستكون أكبر"، وفيما يكمن الخوف من كوريا الشمالية في قصفها القوات الأميركية في المنطة أو حلفاء واشنطن مثل سيول وطوكيو، يدرك أيضًا أون أن كلاً من روسيا والصين تضمنان منع واشنطن من ضرب بيونغ يانغ، بحيث يصب جزء مما يفعله أون في تعزيز الخطاب الذي يدعم مشروعية كوريا الشمالية في المنطقة، ونظامها السياسي، إضافة إلى تحدي نظام كوريا الجنوبية".
وعن موقف بيونغ يانغ ايضاً، يؤكد الخبير في الشؤون الأميركية كامل وزنة أن "تجربة تفكيك واشنطن للسلاح النووي في ليبيا لا تزال حاضرة في بال كيم جونغ أون، وعليه يرى الباحث أن الأخير لن يتخلى عن مشروعه النووي، كما لن يرضخ لضغوطات أميركا، إلا أنه بمقدور الصين أن تؤثر على صنّاع القرار الكوري الشمالي لأنها بمثابة مصدر حياة لبيونغ يانغ".
في ظل التعقيدات التي تلف المشهد الدولي، ومع تعدد الأقطاب المهيمنة على اللعبة السياسية الكبرى، نستذكر ما يقوله الجنرال الأميركي الذي قاد التدخل الاميركي في حرب الكوريتين عام 1950، حيث يؤكد أن قرار التدخل الأميركي في الحرب اتخذه مسؤولون لا يعرفون شيئا عن منطقة المحيط الهادئ، وبالتحديد لم يفقهوا شيئا عن كوريا، فهل يعيد التاريخ نفسه؟ سؤال ترسم خطوطه الأيام المقبلة.
**تجدر الإشارة إلى أنه في العام 1950، اشتعل فتيل الحرب الأهلية في شبه الجزيرة الكورية التي كانت مقسمة إلى جزئين شمالي وجنوبي، دعمت خلالها الولايات المتحدة الأميركية كوريا الجنوبية. وتوسع نطاق الحرب بعد ذلك عندما دخلت الأمم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة، ثم الصين أطرافا في الصراع، الذي انتهى بمقتل وجرح عشرات الآلاف، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 27 يوليو 1953.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018