ارشيف من :أخبار لبنانية

جنبلاط يفتقد ثقة الجميع: الأنصار، مَن تركهم، ومن التحق بهم

جنبلاط يفتقد ثقة الجميع: الأنصار، مَن تركهم، ومن التحق بهم

ابراهيم الأمين، الاخبار
لن يكون من السهل على وليد جنبلاط أن يستعيد ثقة الجميع به. الراحل عنهم يرجونه أن يبقى. يناشدونه ألّا يُسقط الهيكل. لكنّهم، إن فعل، سيلعنونه صباح مساء. وصار لزاماً عليهم أخذ الحيطة والحذر. أما القادم إليهم، فهم مِن الذين يلدغون من الجحر مرّات ومرات. لكنهم الآن في موقع القانع بحدود الخطوة. هم يريدون منه تعطيل دوره السلبي، ولن يسألوه عن الإطار الذي يختاره للتموضع أو التعبير عن مواقفه الجديدة. حتّى رئيس الجمهورية الذي كان يأمل أن تأتيه الانتخابات بكتلة نيابية تمنحه قوّة الفصل داخل مجلس الوزراء، وهو الذي يفترض به أن يطلق الصفارات احتفالاً بقدوم الكتلة، ولو على ظهر وليد، يبدو محتاراً في أمره. يريده إلى جانبه لأسباب كثيرة. لكنه يعرف أن جنبلاط اختاره مكاناً مؤقتاً أو انتقالياً، لا يفرض عليه التزامات، ويمكن أن يسرق منه الغطاء.

وإذا كان سعد الحريري هو المعني الأوّل بالإجابة عن السؤال الجنبلاطي، فذلك لا يعفي حلفاءه، وخصوصاً المسيحيين منهم، من المسؤولية عن اليوم التالي. ماذا بمقدور هؤلاء القيام به لمواجهة انعكاسات تطيح الأكثرية النيابية والتوازن الطائفي ـــــ السياسي الذي يتحكم بالمعادلة اللبنانية؟ ذلك أنّ خروج جنبلاط من هذا الفريق يعني عملياً خسارة طائفة بأكملها، لأن شركاء جنبلاط في الزعامة الدرزية هم أصلاً في الموقع الذي انتقل إليه الرجل. وإذا أُضيفت إليهم غالبية شيعية غير مسبوقة، وثلث سنّة لبنان وأكثر من نصف المسيحيين، فإن المشكلة تتحول عندئذ إلى مشكلة الغطاء الطائفي ـــــ الاجتماعي (على سوئه ورداءته) الذي يحتاج إليه أي فريق لكي يكون شريكاً قوياً في الحكم.

منذ مدة، منظّرو الأمانة العامة لفريق 14 آذار غارقون في التحليل العام للوضع الإقليمي. وهم يعتقدون بحسب كتّابهم المفضّلين في «المستقبل» و«النهار» أن سوريا تدفع ولا تقبض ثمن فك عزلتها أو مشاركتها في إدارة الحوار بشأن الملفات. وغالباً ما يكون الفلفل والبهار على طبق الأخبار هذا من الإعداد الحصري لجيفري فيلتمان الذي يعاني «أزمة أخلاقية، لأنه لا يعرف ما الذي يريد أن يقدمه لفريقه في بيروت»، بحسب أحد الدبلوماسيين الأميركيين من الذين بدأوا يجرؤون على انتقاد إدارة فيلتمان، والسبب كما يبدو يعود إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما وافق على ضمّ الملف اللبناني الخاص بسوريا إلى حقيبة مبعوثه الخاص جورج ميتشل. وبناءً عليه، صار الأميركيون لا يعلّقون سلباً على أي تطور إيجابي في العلاقات العربية مع سوريا، أو على علاقات لبنانية مستجدة مع سوريا، وخصوصاً تلك القائمة الآن من جنبلاط، أو التي يقوم بها سرّاً أمين الجميّل، علماً بأنّ الولايات المتّحدة باركت منذ وقت غير قصير أي اتصال يجري بين سعد الحريري ودمشق. حتى ليبدو المشهد الآن كأن هناك رحلة حج متواصلة سيبدأها أقطاب 14 آذار باتجاه دمشق، فيما بدأ صغار هذا الفريق الانتقال، ولو عن الطريق العسكري، إلى حيث يعلنون أنهم لم يكونوا يوماً ضد الشام.

وإذا سارت الأمور على هذا النحو، فإن العلاج السعودي للمعضلة الناجمة عن تموضع جنبلاط الجديد تقضي بأن يؤخروا زيارته إلى دمشق ريثما ينجزون ترتيبات زيارة بمستوى مختلف للرئيس المكلف لدمشق، وهو الأمر الذي قد يطول لولا مبادرة جنبلاط إلى إبلاغه الوسطاء المعنيين أنه صار في كامل استعداداته لزيارة دمشق، لكنه يرتقب التوقيت. والغريب هنا، أنّ سوريا نفسها، لا السعودية، تستمهل جنبلاط. البعض ربط الأمر برغبة سورية في عدم استفزاز الرياض والحريري معاً. والبعض ربطها بأن دمشق معنية بتهيئة الأمور عندها، حتى لا يضطر رجال الأمن السوريون إلى مرافقة جنبلاط إذا قرر ممارسة هواية المشي في أزقة دمشق القديمة، حيث لا تزال التعبئة كبيرة ضده هناك. وثمّة رواية ثالثة تقول إن دمشق لا تريد لجنبلاط أن يجول حرّاً في دمشق، بمعنى أنها لا تريد أن تمنحه حق الاتصال بالقيادات الدرزية في سوريا الآن، وهي خصّت العماد ميشال عون دون غيره بلقاء أبناء طائفته، الأمر الذي لن تفعله مع أحد آخر، أو هذا على الأقل ما ينقله زوار العاصمة السورية.
يبقى الأمر الأخير، المتعلق بجدول الأعمال السياسي لجنبلاط والآخرين في المرحلة المقبلة. فإذا تعذر تأليف الحكومة، وهو أمر ممكن، لكن نتائجه كارثية على الجميع، فإن البلاد ستدخل في مواجهات ليست في مصلحة أحد. وإذا تألفت الحكومة على أساس تفاهمات عدة، فإن برنامج العمل الجدي سيكون واحداً أمام الجميع: العودة إلى اختبار الشعبية، وهذه المرة من خلال الانتخابات البلدية، حيث يدرس سعد الحريري منذ الآن كيفية الإجهاز على ما يسميه «فلول» خصومه في المناطق السنّية، وحيث سيكون بمقدوره الرد على جنبلاط في بعض الأمكنة، لإشعاره بأن أصوات «المستقبل» وأنصاره هي التي تقرر في نهاية المطاف. وهذا يعني أن البلاد ستدخل في دوامة جديدة من التحريض الطائفي، لكن ليس معلوماً ما إذا كان الحريري سيتّهم جنبلاط بالتشيّع، أو أنّ نائلة تويني ستطلب من زوجها أخذ إجازة منها لئلّا تصدم أرثوذكس الأشرفية الذين أحبطهم أن ممثّلة المطران إلياس عودة تزوّجت شيعياً من بلاد الفرس.

2009-08-08