ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق مهتمّة بالتقاط صوَر تبرّئها من تهم الاغتيالات.. المرحلة المقبلة: استمالة الجميّل وعزل جعجع

دمشق مهتمّة بالتقاط صوَر تبرّئها من تهم الاغتيالات.. المرحلة المقبلة: استمالة الجميّل وعزل جعجع

عندما يعود سمير جعجع وزوجته من السفر ستكون في انتظاره مفاجأة غير سارة: قرار بمحاولة اعادته الى المربع الذي حوصر فيه خلال المرحلة التي تلت مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1992 حتى اعتقاله بعد سنتين.

وسيسمع اللبنانيون تالياً الكثير مجدداً عن ارتكابات الرجل ماضياً وحاضراً ومستقبلاً في بعض وسائل الاعلام، وتصريحات لشخصيات قوى 8 آذار وخلفها القيادة السورية لإعادة تظهير صورة حزب جعجع "القوات اللبنانية" على انه "الشر الاكبر" انطلاقاً من خطة عمل للمرحلة المقبلة تركّز على "انهاء" قوى 14 آذار وتحويلها حلفاً ثنائياً لا أكثر، يضم من جانب رئيس "تيار المستقبل" الرئيس المكلف سعد الحريري، ومن جانب آخر سمير جعجع.

وفي تبريرها لهذه الرؤية تروي اوساط معارضة ان اركاناً فيها باتوا على اقتناع تام بأن القوى الاقليمية والدولية التي رعت حركة 14 آذار وحمتها ودعمتها بكل الوسائل والإمكانات، لم تعد تحتاج اليها بعدما أدت اغراضها. وقد أدرك ذلك رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط فغادرها على عجل الى مكان لم يُحدد بعد. وهناك شخصيات وقوى اخرى ستتبعه على الطريق الى دمشق.

في هذه الرواية "الرؤيوية" لاوساط المعارضة ان رئيس حزب الكتائب الرئيس امين الجميل ليس بعيداً من هذا الخيار الى الحد الذي يصوِّره، خلافاً للانطباعات التي تشيعها تصريحاته. فالرجل "منفتح"، كما نقل عنه، على القيادة السورية، وحزب الكتائب على مسافة من الأمانة العامة لقوى 14 آذار، وأحياناً لا يمثله أحد في اجتماعاتها، و"الرجل القوي" او الثاني عملياً في الحزب النائب سامي الجميل ليس "14 آذارياً" بالضبط خلافا لشقيقه الراحل بيار الجميل - وفق ما ترى اليه اوساط المعارضة - وخطابه السياسي يترجح بين خطاب عمه الرئيس الراحل بشير الجميل ايام كان قائداً لـ"القوات" في عز الانقسام المسيحي - الاسلامي، وخطاب النائب العماد ميشال عون، مما سهَّل التوصل الى ورقة سياسية بين حزب الكتائب و"تيار المردة" من ثلاثة بنود توجه ضمناً اصابع اتهام الى السنية السياسية - اذا جاز التعبير - بالافتئات على حقوق المسيحيين وحضورهم السياسي. وفوق ذلك قد يكون الرئيس الجميل يخشى فعلاً على حياة نجله الصاعد سياسياً، خشية تأخذها العامة في الحسبان بتناولها شؤون البيوت السياسية اللبنانية، وقد حكي عن اوضاع مشابهة سابقاً في عائلة المر لتفسير توجهات النائب ميشال المر وسياساته. في هذا الاطار ربما يأتي حديث الوزير السابق وئام وهاب عن إحباط "محاولة انتحارية" ضد النائب سامي الجميل.

ويؤيد بعض الساسة في 14 آذار نظرية فحواها ان دمشق تريد بكل قوة ان يزورها الرئيس المكلف الحريري والرئيس الجميل لأنهما "من اهل الدم"، اي من "اهل الشهداء" لإفادتها الأكيدة من التقاط الصور معهما دليلاً على براءتها من شبهات، بل اتهامات وجهت اليها بالمسؤولية عن الجرائم التي ارتكبت خلال الاعوام الماضية في لبنان.

إلا ان مسؤولين في الكتائب يستبعدون تخلي حزبهم عن حركة 14 آذار، أو اعلان انفصاله عنها الى دائرة الوسط المؤيدة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان والتي لا تزال في مرحلة الهيولى، يحكى عنها لكنها غير موجودة. كما يستبعدون ان يزور الرئيس الجميل دمشق لاسباب تنافسية في الوسط المسيحي مع جعجع وحزبه، على رغم انهم يتساءلون عن جدوى "الحرد" اذا زار دمشق الرئيس المكلف الحريري والنائب جنبلاط وكرّت السبحة.

بعد الرئيس الجميل تتطلع قوى 8 آذار، وخلفها سوريا الى "سحب" الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي من تحالف الغالبية، على رغم ان للرجلين مصالح وعلاقات وثقى بالمملكة العربية السعودية. ففي حسابات 8 آذار ان السعودية لم يعد يهمها سوى الحريري وتياره "المستقبل"، وسمير جعجع و"قواته". اذ تعتبر ان قوى 14 آذار أمنت الدفع الداخلي لإخراج الجيش السوري من لبنان وانشاء المحكمة الدولية وانتخاب رئيس للجمهورية وحالت في الانتخابات الاخيرة دون هيمنة محور ايران - سوريا على لبنان وبالتالي لم تعد ثمة في المدى المنظور حاجة ملحة اليها، ولا باس في خلط الاوراق لاخراج لبنان من الاصطفافات الحادة والخطيرة والتي يمكن ان تهدد أمنه واستقراره. والدليل على هذا المنحى عدم محاولة الموفد السعودي الوزير عبد العزيز خوجة ثني النائب جنبلاط عن المضي قدماً في السير نحو دمشق وحلفائها، واكتفاؤه ببند وحيد هو ان يبقي علاقته جيدة بالحريري ولا يتخلى عنه.

واذا تحقق تفاهم، بمسعى المملكة بين الحريري وجنبلاط، وتألفت الحكومة وزار الحريري دمشق على الأثر، فستكون الأبواب مشرعة في حسابات قوى 8 آذار امام اجتماع للقوى تحدث عنه جنبلاط سابقاً ويضم الاركان الرئيسية لدى السنّة والشيعة والدروز، ليلاقيها ائتلاف مسيحي "متفاهم" ايضاً يضم الكتائب و"المردة" و"التيار العوني".

ويبقى خارجاً، وحده سمير جعجع الذي تدعمه المملكة العربية السعودية وقوى دولية - بحسب اوساط 8 آذار - لسببين اولهما انه يمتلك قوة "احتمالية" مقاتلة في بيئته، وان يكن الصراع سياسياً وبعيداً من الطابع العنفي، وثانيهما انه اثبت على مر السنين التزامه التحالفات التي يقيمها والمبادئ التي يرفعها التزاماً كاملاً، لا يتزحزح فضلاً عن نضج أظهره في الاداء السياسي.

لذلك كله، سيكون ثمة عود الى بدء في الإعلام. الى 1992 لمحو مفاعيل اعتذار جعجع من اللبنانيين، ما دام لم يعتذر من السوريين ايضاً وحلفائهم على ما فعل حليفه السابق في 14 آذار النائب جنبلاط. أما في السياسة فستكون عودة الى مرحلة سياسة "عزل الكتائب" الشهيرة التي اعتمدتها "الحركة الوطنية" عام 1975، وهذه المرة في حق ابنتها "القوات".

جريدة النهار - 9/8/2009
2009-08-09