ارشيف من :أخبار لبنانية

التهديدات الإسرائيلية للبنان: الحرب.. وأمور أخرى

التهديدات الإسرائيلية للبنان: الحرب.. وأمور أخرى
كتب مصطفى الحاج علي
بعد مدة لا يكاد يمضي يوم من دون أن نسمع فيه تصريحاً أو موقفاً لمسؤولين اسرائيليين، سياسيين أو عسكريين، حول لبنان، وتحديداً حول احتمالات الوضع على الحدود اللبنانية مع الكيان الإسرائيلي. وكان جلياً أن هذه التصريحات اتخذت منحى تصاعدياً خاصة بعد حادثة انفجار مخزن للسلاح في بلدة خربة سلم، محاولة دفع الأمور من خلال مجلس الأمن نحو لعبة تغيير قواعد الاشتباك الخاصة بعمل قوات الطوارئ الدولية.
هذه التصريحات الإسرائيلية المحذرة تارة والمهددة تارة أخرى، طرحت تساؤلات عدة حول خلفياتها المحتملة، والمدى الذي تريد بلوغه. ولا شك في أن أهم ما يعني اللبنانيين، هو هل هذه التهديدات بمثابة تمهيد لشن حربٍ جديدة على لبنان، أم أن وراءها أهدافا أخرى؟
الاجابة عن هذا السؤال تقتضي ملاحظة التالي:
أولاً: إن الدوافع الإسرائيلية لشن حربٍ على لبنان حاضرة بقوة، فهذا الكيان سيبقى يتحين الفرصة للقيام بعملية عسكرية ثأرية ترد له بعضاً من اعتباره، وتسمح له أيضاً بالتخلص من الشوكة القوية في خاصرته الشمالية، والتي باتت تقض مضاجعه على المدى الطويل، وصولاً الى كسر توازنات القوة في المعادلة الاقليمية الشاملة التي تحاصره، وكسر التوازنات داخل لبنان لمصلحة الخيار السياسي الذي يفضله، لكونه يمهد الطريق لعملية تصالح سريعة معه.
ثانياً: منذ توقف الأعمال الحربية في عام 2006، وجيش العدو الإسرائيلي ينتقل من مناورة عسكرية الى أخرى، ومن أشكال تدريبية الى أخرى. وكان آخر ما أعلن عنه هو تدريبه على حرب العصابات وحروب المدن.
وكل المعطيات العسكرية والأمنية تقول إن جيش العدو الإسرائيلي هو في حال من الجهوزية لا يمكن إلا أخذها بالحسبان.
ودائرة التدريبات لا تشمل لبنان فقط، بل هي تشمل ايران تحديداً، والاستعداد لاحتمالات الحرب أكثر على أكثر من جبهة.
ثالثاً: لوحظ مؤخراً اهتمام أساسي بإجراء اختبارات لمنظومة صواريخ حيتس وسواها، المضادة للصواريخ، وتحت عنوان بناء قبة حديدية فوق الكيان الإسرائيلي.
الوظيفة الرئيسية لهذه المنظومة هي إقفال الثغرة الاستراتيجية في خطوط الدفاع عن عمق الكيان الإسرائيلي، وبالتالي، فإن فشلها يعني استمرار هذه الثغرة على حالها، الأمر الذي يضع الكيان الإسرائيلي أمام الحلول البديلة المفترضة، التي تتحكم بشكل رئيس الى مبدأ شن حرب سريعة وساحقة تكفل الانتصار، لأنه كلما طال أمد الحرب وانكشاف العمق الداخلي فسيفرض هذا تغييراً في مسار الحرب لغير مصلحة هذا العدو.
رابعاً: تضمنت مواقف قادة العدو الإسرائيلي تبريرات مباشرة حول أسباب تصعيدها الأخير، وهي:
أ – الكلام عن نجاح المقاومة في ادخال منظومة صواريخ مضادة للطائرات من شأنها ارباك عمل هذا السلاح الذي يشكل العمود الفقري للجيش الإسرائيلي.
ب ـ الكلام عن نية حزب الله شن عملية عسكرية في مزارع شبعا المحتلة.
ج ـ العودة الى الكلام عن تحضير حزب الله لعملية ثأرية رداً على اغتيال القائد الشهيد الحاج عماد مغنية.
خامساً: بالتأكيد، ان الكيان الإسرائيلي توقف ملياً عند المعادلة التي نسبت الى سماحة الأمين العام، وقالها في لقاء خاص ومفادها: الضاحية مقابل تل أبيب.
سادساً: ان محور تركيز التهديدات الإسرائيلية مؤخراً على الدمج بين حزب الله والدولة أو الحكومة اللبنانية، والقول إن أي حرب مقبلة لن تميز بين الاثنين كما جرى في عدوان 2006.
مجمل هذه المعطيات تقودنا الى الاستنتاجات الرئيسية التالية:
أولاً: ان الحرب على لبنان حاضرة دوماً وبقوة في الحسابات الإسرائيلية.. لكن لا يمكن النظر الى هذه الحرب إلا من ضمن منظور شامل يتصل إما بحرب أساسية على إيران، أو بإيجاد التسهيلات المطلوبة لإنجاز التسوية، وكلا الأمرين يفترض توفر شرط أساسي هو أن  تكون الحرب مضمونة النتائج، وعلى نحو يقيني وحاسم، وهذا ما لا تبدو ظروفه متاحة أو واضحة على الأقل من الآن الى مطلع هذا العام.
ثانياً: بناءً على ما تقدم، لا يبقى للتهديدات الإسرائيلية إلا الوظائف المباشرة التالية:
أ ـ ايجاد حالة ردع تقطع الطريق على احتمالات قيام المقاومة بأي عمل عسكري.
ب ـ ايجاد واقع ارباك وضغط وبلبلة من خلال اصطناع حالة من عدم اليقين في الجنوب، تستدعي تدخلات دولية مستمرة لإبقاء الأمور على ما هي عليه.
ج ـ قطع الطريق على أي محاولات تقوم بها المقاومة لتحسين شروط المواجهة في أي حرب فعلية من خلال كسرها للتوازن النوعي.
د ـ فرض مناخاة معينة على الحكومة اللبنانية، لا سيما لجهة ما يمكن أن يتضمنه بيانها الوزاري من مواقف ايجابية بحق المقاومة، وبالتالي الضغط لرسم مسافة بين الحكومة والمقاومة في هذا الاتجاه.
هـ ـ تطمين الرأي العام الإسرائيلي الى جهوزية الجيش الإسرائيلي وتجاوزه جراح عدوان تموز.
و ـ إعادة تقديم الجيش الإسرائيلي بصورة  الجيش الذي تجاوز هزيمته، وأنه عاد الى سيرته وصورته الأولى.
ز ـ إثارة غبار كثيف لصرف الأنظار عما يخطط له فعلياً، والذي قد يكون التحضير لعمل أمني يريد احتواء ردود فعله مسبقاً بعملية تهديد واسعة.
2009-08-09