ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري في الإجازة: تثبيت الأكثريّة والهجوم على عون

الحريري في الإجازة: تثبيت الأكثريّة والهجوم على عون

صحيفة "الاخبار" - ابراهيم الأمين

يحاول الرئيس المكلّف، سعد الحريري، استعادة زمام المبادرة على صعيد السجال السياسي بشأن الحكومة، لتعويض عجزه عن تقديم اقتراح أول لمناقشته مع الجهات المعنية. وهو يستفيد من عدم حصول أي ضغط فعلي عليه من حلفائه ولا من فريق المعارضة، ولا حتى من جانب رئيس الجمهورية، وبالطبع فإن جمهوره وبقية اللبنانيين ليسوا في وضع يشير إلى أنهم يعبّرون عن امتعاض مما يحصل. وحتى إذا خرج فريق يحتجّ على المماطلة، فسيعمّ الانقسام السياسي مجدداً، على خلفيات طائفية ومذهبية.

الدستور لا يلزم الرئيس المكلف بمهلة، لكن الدستور يستند إلى فكرة الخدمة العامة، وحفظ حقوق الناس والدولة، وإذا لم يكن هناك من نص، فإن هناك من عناصر الضغط ما يكفي، إذ إن الرئيس ميشال سليمان يستطيع، بوصفه رئيس البلاد، توجيه رسالة امتعاض من التأخير الحاصل، من دون أن يحمّل طرفاً دون الآخر المسؤولية عن التعطيل، لكنه يحوّلها ورقة ضغط لدفع القائمين على ملف الحكومة إلى المبادرة باتجاه خطوات عملية.

ومع أن المعارضة لا تصدر أي موقف من شأنه دفع الأمور نحو مستوى جديد، إلا أنها عمدت أخيراً إلى إبراز استغرابها التأخير الحاصل، وهو أمر يعكس صورة عن الوقائع التي تشير إلى أن المعارضة اليوم هي في موقع المنتظر لخطوة عملية من جانب الحريري. لكن الأخير لا يريد القيام بهذه الخطوة الآن، وهو قرر أخذ الحكومة معه في إجازاته المفتوحة، سواء تلك التي يمضيها في بيروت أو في الخارج. لكن النتيجة واحدة.

❞لا أحد يطالب الرئيس المكلف بسقف زمني لإنجاز اقتراحاته، ولا أحد يسأله عن بيانه الوزاري❝ومن باب منحه الأسباب المخففة، يقول قياديون في المعارضة إن الحريري يهتم الآن بأمور لا تصبّ مباشرة في خانة تأليف الحكومة، وإن كانت تؤثر على هذا الملف. ويعتقد هؤلاء أن الخطوة التي أقدم عليها النائب وليد جنبلاط فرضت متغيرات من بينها ما يبدو أنه أساسي في نظر حلفائه في 14 آذار، وخصوصاً الحريري.

إلا أن الحصيلة القائمة إلى الآن تعكس حالة الجمود على صعيد المفاوضات مع قوى المعارضة، بانتظار أن ينجز الحريري حلحلة مشكلات داخل فريقه، وهو لذلك يعمل على الخطوط الآتية:

* تثبيت مبدأ عدم الاستعجال، وإهماله لأي نوع من المساءلة، ولجوؤه إلى الإجازات المفتوحة حتى خارج البلاد.
* إعادة تقويم العلاقة مع جنبلاط، ويفترض أن يطرح الحريري على الزعيم الدرزي في اجتماعهما أسئلة من النوع المباشر: هل حصة الحزب الاشتراكي هي من حصة فريق 14 آذار؟ هل ستكون إلى جانبنا في برنامجنا للعمل الحكومي؟ أين تقف وتبتعد عنا؟ ما هي حدود علاقتها برئيس الجمهورية؟ هل لديها تفاهمات مستقلة مع قوى المعارضة؟
* تحديد سقف التفاوض من خلال حسم أن الحريري لا يزال رئيساً للأكثرية النيابية وأنه سيكون بهذه الصفة خلال تولّيه رئاسة الحكومة، لا أن يكون اليوم رئيساً للأكثرية، وغداً رئيساً لأقلية كبيرة داخل الحكومة نفسها.
* كيف ستُنظَّم العلاقات المستقبلية مع سوريا؟ هل يعمد جنبلاط إلى علاقة مستقلة له وحده، من دون التنسيق مع الحريري، إلا في موضوع التوقيت؟ وإذا ما قرر الحريري عدم زيارة سوريا خلال الفترة القريبة، فهل يبقى جنبلاط منتظراً له أم يسبقه إلى الشام؟
* تجميد الاتصالات العملية بشأن تأليف الحكومة والاكتفاء بما تلقّاه من عروض وطلبات، وعدم ربط نفسه بموعد أو سقف زمني. لكنه، في هذه الأثناء، سيترك للتسريبات أن تحلّ مكان مواقفه، فيعمّم مثلاً الأجواء عن رفضه إعادة توزير كل من عصام أبو جمرا وجبران باسيل، ثم يعمد إلى نفي الأمر. يطلب من قيادييه ووسائل إعلامه شنّ حملة على العماد ميشال عون وتحميله مسؤولية تأخير تأليف الحكومة، بدل أن يردّ العماد عون على مطالبه. يخفض مستوى التواصل مع التيار الوطني إلى حدود اتصالات المجاملة، ثم يبعث للتيار بأجوبة غير رسمية. يقول هو إن عون طلب 5 وزراء و5 حقائب، ويقول إنه عرض غير منطقي ومرفوض. لكن ذلك لا يكون في الجلسة الرسمية مع ممثل التيار، ولا من خلال موقف رسمي صادر عنه، بل من خلال تسريبات يتولاها فريقه الإعلامي.
* في هذه الفترة، يكون الحريري قد تحرّر نسبياً من ضغط المعارضة، ويكون قد حسم مستقبل العلاقة مع وليد جنبلاط، وتفاهم مع حلفائه المسيحيين على صيغة تمثيلهم في الحكومة، ثم يعمد في أول مناسبة إلى تقديم اقتراح، على شكل صيغة يعرف مسبقاً أن العماد عون ـــــ على الأقل ـــــ سيرفضها، وبعدئذٍ تنطلق ماكينته السياسية والإعلامية في حملة جديدة لتحميل العماد عون مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة، ومن ثم يطلب الحريري من حزب الله ومن الرئيس نبيه بري أن يمارسا الضغوط على عون لإقناعه بالتراجع عن مطالبه، فإذا نجحا، يكون هو قد حقق هدفه، وإذا فشلا، يكون هو قد خلق أزمة داخل فريق المعارضة، أو حمّل المعارضة مجتمعة مسؤولية عرقلة مشروعه الحكومي.

لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال المركزي: هل هو في موقع القادر على تحمّل مسؤولية حكم لا يحظى بحاضنة وطنية داخلية جدية، أم نحن أمام مرحلة انتظار لتطور إقليمي كبير، على شكل قرارات تخص المحكمة الدولية، أو مغامرة إسرائيلية جديدة في لبنان؟


2009-08-12