ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري وجنبلاط يفرق بينهما ما كان يجمعهما: دمشق
أكثر من سبب يجمع بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط. وأكثر من سبب يفرّق بينهما. في اجتماعهما مساء الثلاثاء، الأول منذ 2 آب، صفّيا الخلاف بينهما أو كادا من خلال تطمينات متبادلة. لكن خلافهما ليس عابراً، يشبه تلك التي شابت في تسعينيات القرن الماضي علاقة جنبلاط بالرئيس رفيق الحريري، وكان يجمعهما تحالف وطيد مع سوريا. وغالباً ما عمد حينذاك نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام أو اللواء غازي كنعان إلى مصالحتهما، إلا أن الرئيس الراحل كان يعتقد في بعض محطات تلك الخلافات أن دمشق أوعزت بها للضغط عليه، ومن ثم الاستغاثة بها، شأن خلافاته مع الرئيسين الياس الهراوي ونبيه برّي وحلفاء آخرين لسوريا.
لكن جنبلاط والحريري الأب كانا يختلفان أيضاً في شؤون لا تحتاج إلى وساطة سوريا، من غير أن تباعد بينهما الخيارات السياسية الرئيسية وخصوصاً العلاقة مع سوريا. حتى في أول استدارة غير مألوفة لجنبلاط عن دمشق، في تشرين الأول 2000 مع حكومة ما بعد الانتخابات النيابية، لم ينضم الرئيس الراحل إلى مطالبة حليفه بإعادة انتشار الجيش السوري في لبنان. وفي الاستدارة الثانية الأكثر إيحاءً بافتراق حتمي عن دمشق في تشرين الأول 2004، بعد التمديد للرئيس إميل لحود ومحاولة اغتيال النائب مروان حمادة، انضم جنبلاط جهاراً إلى المعارضة المسيحية لسوريا وأوصد دون الأخيرة أبواب الحوار، بينما ظلّ الحريري الأب أكثر تحفظاً يعبّر عن المطلب نفسه بحذر لا يستفز السوريين هو تنفيذ اتفاق الطائف، ولا ينفصل عن حليفه الزعيم الدرزي.
اليوم أضحت دمشق في صلب المشكلة الناشبة بين جنبلاط والحريري. ظاهرها استحالة استمراره مع حلفاء مسيحيين، وخصوصاً حزبي الكتائب والقوات اللبنانية، لم يمثّلوا مرة في ذاكرة الزعيم الدرزي إلا المواجهة والحرب والتنافس والاقتتال. بل سيكون من المتعذّر العثور في هذه الذاكرة على صورة مشابهة للاحترام والتقدير الذي كنّه جنبلاط للرئيس كميل شمعون في مؤسس حزب الكتائب بيار الجميّل أو الرئيس بشير الجميّل. وباطنها أنه يريد العودة إلى دمشق، المكان الذي لم يعرفه قطّ الرئيس المكلف، مع أن ثمّة بيتاً أنيقاً لوالده الراحل في حيّ أبو رمانة، أحد أرقى أحياء العاصمة السورية. ورغم أن الرجلين متفقان على زيارة دمشق بعد تأليف الحكومة الجديدة، كل لأسباب مغايرة، فإن موقفيهما من العلاقة بها يقترن بملاحظات منها:
1 ـ لبس جنبلاط عباءة الزعامةمتشحة بسواد اغتيال والده كمال جنبلاط، وكذلك الحريري الابن. وكان الأبوان في سنّ واحدة هي الستون عندما قتلا. والتقى الابنان على اتهام سوريا مباشرة بالاغتيال. الأول أغمض عينيه 28 عاماً على اغتيال والده، وهو حليف لسوريا، قبل أن يتهمها علناً به عندما انفجر فجأة في وجهها مع مقتل الحريري الأب. والثاني لا يلمّ بعلاقة سوريا مع والده سوى محطتها الأخيرة، وهي أن يعدّها اغتالته. هكذا جاءا إلى السياسة من هامشها، والتقيا على مَن اعتبراه جانياً واحداً، وعلى مواجهة سياسية شرسة أوجدت من حولهما قوى 14 آذار فقاداها.
2 ـ عندما يعود جنبلاط إلى دمشق مجدّداً، لن يجد في قيادتها الفريق الذي تعاون معه وصادقه قرابة 28 عاماً من التحالف، كخدّام وكنعان والعماد أول حكمت الشهابي (الذي غادر موقعه عام 1998)، وكان له دور رئيسي في تغليب وجهة نظره في إدارة السلطة في لبنان. كذلك لن يجد الفريق الذي اختلف معه ووجّه إليه شتى الاتهامات كاللواء رستم غزالة والعميد جامع جامع، وقد أصبحا في مناصب بعيدة عن لبنان. وسيكون أمام فريق آخر في القيادة السورية، سياسي وأمني، لا يعرف من علاقة الزعيم الدرزي بسوريا سوى كل ما حصل، وقيل، بعد 14 شباط 2005. يصحّ ذلك على مسؤولين مخضرمين كنائب الرئيس فاروق الشرع، وآخرين جدد لم يقاربوا العلاقة مع جنبلاط كوزير الخارجية وليد المعلم. لكنه يصحّ أيضاً على مسؤولين أمنيين في الظلّ، بينهم مَن يكرهه جنبلاط أو لا يعرفه، لا يسعهم إلا أن يتصرّفوا على أن لبنان لا يزال جزءاً من نظام استقرار الحكم في سوريا. على نحو شائك كهذا، يذهب الحريري إلى دمشق قبل أن يختبر، كجنبلاط على الأقل، مراس التحاور والاختلاف مع السوريين.
3 ـ خلافاً للحريري الذي لا يحمل، عندما يذهب إلى سوريا، وزر عداء طائفته، أو في أحسن الأحوال قاعدته الشعبية، لها، ويسعه أن يقول لها إنه يقصدها كرئيس للحكومة اللبنانية وليس زعيم السنّة في لبنان، ولا يبدو هذا الأمر في الظاهر عبئاً على دمشق أيضاً التي اعتادت، قبل علاقتها بالحريري الأب وبعده، التعاون مع أكثر من زعيم سنّي في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع، يبدو الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة إلى جنبلاط. لم تعرفه دمشق مرة سياسياً عابراً أو نائباً أو وزيراً، بل زعيماً للطائفة الدرزية. وهي الصفة التي طبعت دائماً علاقتها بوالده الراحل، وكانت تحمله حتى أحاديثه الأخيرة قبل اغتياله عام 1977 على تمييز دروز سوريا عن دروز إسرائيل، رأى في الأولين امتداداً متبادلاً بينهم وبين دروز لبنان، وأنهم لم يتعاملوا مع إسرائيل. في المقابل، وخلافاً للابن، لم يُدخل جنبلاط الأب الطائفة في المواجهة السياسية والعسكرية مع الرئيس حافظ الأسد عندما اختلفا عام 1976، فنأى بالشوف عنها، بيد أن خلفه يشعر، وهو يبرّر انفصاله عن قوى 14 آذار، بحاجته إلى إخراج طائفته من نزاعها الحاد مع الأسد الابن منذ عام 2005، وهو الأسوأ في علاقة دروز لبنان بسوريا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018