ارشيف من :أخبار عالمية
ما بعد التبعيّة
وقف مسؤولو مصر على منصة الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بواشنطن، يباهون بـ"إعجاز" في معالجة الاقتصاد المصري، وخلفهم، في الوطن الحقيقي، تئن الملايين بفعل أزمة اقتصادية لم نعايشها إلا قراءة في كتب التاريخ عن وضع مصر خلال الحرب العالمية الثانية.
الإعجاز المذهل وغير المسبوق الذي وصفه طارق عامر، محافظ البنك المركزي، ونجل شقيق بطل مشهد النكسة، وصاحب فضيحتها المشير عبدالحكيم عامر، لم يكن إلا إعجاز السير حرفيًا على خطى أوامر وتعليمات أصحاب الحل والعقد في واشنطن، إعجاز نقل مصر في خلال سنوات ثلاث إلى عصر ما بعد التبعية.

قائد عملية نقل مصر إلى عصرها الجديد يشبه صاحب عبورها إلى عصر التبعية للأمريكي، عبدالفتاح السيسي لا يبدو أكثر من نسخة أخرى عن السادات، صانع كامب ديفيد، مفرق العرب ومشتت شملهم الأول.
في أحد خطاباته الشهيرة، وصف "السيسي" القرارات الاقتصادية الصادرة من أستاذه السادات، التي سبقت انتفاضة يناير 1977، بأنها كانت أول محاولة للإصلاح الجريء، رغم أن الضمير الوطني المصري اعتبرها ملحمة شعبية ضد سلطة تجاوزت دور الحكم إلى البطش لصالح فئات معينة، وجاء حكم المحكمة برئاسة المستشار حكيم منير صليب، مبرئاً للمتهمين، ومعتبرًا سياسات الحكومة هي السبب الأوحد لاشتعال الأحداث.
وكما ورث السادات دينًا خارجيًا بسيطًا، قدر بـ1.5 مليار دولار، وقام الاتحاد السوفياتي بشطب معظمه، ضاعفه أضعافًا مضاعفة، ليورثه لمبارك 22 مليار دولار، وجه كله في أغراض استهلاكية، بلا أي نظرة للمستقبل، أو خطط للسداد، يفعل السيسي الشيء نفسه، حيث ضاعف الدين الخارجي والداخلي، وهاجم كل الأصوات التي حذرت من مغبة الاستدانة بلا ضابط أو رابط.
يدرك كل اقتصادي أن سياسات السيسي انتحارية، خاصة على الصعيد الاجتماعي، سياسات تذبح الطبقة المتوسطة، وتهوى بها إلى جحيم الفقر، تقتل المستقبل في صدور الشباب، وتجعل الهجرة هي الحلم الوحيد أمام ناظريهم، وتدمر ما بقى من انتماء للبلد في صدور أبنائه.
ولأن الناس على دين حكامها، انتشرت عصابات تجارة الأعضاء في المناطق الفقيرة والعشوائية المحيطة بالقاهرة، وفضحتها تقارير وتحقيقات صحفية دولية، سلطت الضوء على علاقات بين متنفذين وسماسرة الأعضاء، استغلالًا للحالة الاقتصادية الصعبة، على خطى الدولة التي باعت تيران وصنافير، في صفقة مشبوهة.
مصر تخطت عصر التبعية للأمريكي، وأقامت علاقة جديدة لا تقف على الاستغلال والقهر الخارجي فقط، لكنها علاقة تتكامل فيها رؤية الخارج ورغباته، مع مصالح الطبقة الحاكمة بالداخل وأعوانها.
مصر اختارت طريقها إلى مذبحة في العراء، العلاقة بين مؤسسات الدولة والشعب في أخطر حالاتها، والخروج القادم من الشعب سيضع على أولوياته التحطيم والحرق، بأقصر مما جرى في يناير بمراحل، فهذا هو سبيل الشعوب التي تخضع للقهر لمدد طويلة، والمطلوب وقفة قبل المنحدر الأكيد..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018