ارشيف من :أخبار لبنانية

حرب لبنان الثالثة - الهدف: حزب اللّه

حرب لبنان الثالثة - الهدف: حزب اللّه

المحرر المحلي + صحيفة "الاخبار"


قدمت نشرة «تقدير استراتيجي»، المجلد 11، العدد الثاني، الصادرة عن مركز دراسات الأمن القومي ـــ جامعة تل أبيب، دراسة أعدها اللواء يوسي كوبرفاسر، من الاحتياط وشغل سابقاً منصباً في وحدة الأبحاث التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية، في سياق البحث المستمر في مستقبل الصراع مع حزب اللهحرب لبنان الثالثة - الهدف: حزب اللّه

الازدياد الحثيث لقوة حزب الله منذ انقضاء حرب لبنان الثانية، مع استغلال نقاط ضعف قرار مجلس الأمن 1701، والاحتمال الكبير لمواجهة مع إيران، سببان فقط من الأسباب الممكنة لتجدد القتال بين إسرائيل وحزب الله، فيما تملك المنظمة قذائف صاروخية وصواريخ كثيرة وذات مدى أبعد من القذائف الصاروخية التي أطلقتها على إسرائيل في الحرب السابقة. ولمّا كان الجيش الإسرائيلي لا يتزود بوسائل تدفع هذا النوع من الصواريخ والقذائف الصاروخية، من المحتمل في حال نشوب مواجهة كهذه في الفترة القريبة، عدم القدرة على منع جزء كبير من الإطلاق بالقضاء على منصات الإطلاق، وستكون ثمة حاجة إلى استراتيجية مختلفة لمنع الإطلاق أو لمضاءلته جداً.

أكثر من مرة، من ضمنها أيضاً الأيام الأولى من حرب لبنان الثانية في 2006، أُثير اقتراح الأخذ باستراتيجية غير مباشرة، فحواها أنه بدل التأكيد للمسّ المباشر بحزب الله، الذي يقوم منطق عمله على البقاء المحرز بالإقلال من الظهور حتى الاختفاء، والاختفاء والذوبان بين السكان، أن تصرف إسرائيل هجماتها في لبنان إلى غايات متماهية مع دولة لبنان. على هذا النحو يزعم مؤيدو هذا التوجه أنه سيسهل جداً على إسرائيل تحديد مواقع أهداف ذات صلة، وأن تبيّن للبنان الثمن الذي يصحب التخلي عن سيادته، وقد تدفعه حتى إلى تحقيقها وإلى أن يفرض على حزب الله بضغط سياسي، وربما باستعمال القوة، الكفّ عن إطلاق القذائف الصاروخية والصواريخ. وقد يكون في ذلك ما يزيد عند حزب الله أهمية التقديرات المؤيدة لوقف القتال، لأنّ هوية المنظمة اللبنانية وتبجحها بأنها تدافع عن لبنان تقتضيان أن لا تسبب المعاناة للبنان والضرر به، وهي لا تريد أن تتهم بأنها تعمل لمصلحة أجانب، على نحو يعرض لبنان للخطر.

التطورات الأخيرة في لبنان تدفع قدماً بهذا التوجه. فانضمام حزب الله إلى الحكومة اللبنانية، هو وقوف للقيادة اللبنانية وراء حزب الله عقب صفقة إطلاق سمير القنطار مقابل جثث الجنود الإسرائيليين، واستقرار رأي حكومة لبنان على أن لحزب الله الحق في العمل على تحرير الأراضي اللبنانية يلغي في ظاهر الأمر الفصل الذي وجد حتى المدة الأخيرة بين لبنان وحزب الله ويثبت مسؤولية حكومة لبنان عن أعمال المنظمة. في الماضي، أسس حزب الله لزعم أنه يجب أن يكون المدافع عن لبنان حتى لو كان ذلك على نحو غير رسمي، بأن يسلَّم المسؤولية عن مواجهة إسرائيل. يستطيع لبنان التملص من الأخطار التي تصحب مواجهة مباشرة بينه وبين إسرائيل، وهذه الأخيرة تتمتع فيها بتفوق واضح، وأن ينقل القتال إلى أبعاد يكون التفوق النسبي فيها لحزب الله. الآن، وقد أصبحت المنظمة شبه جزء من الدولة ومن نظام الحكم فيها، تمسك إسرائيل باستراتيجية تمكّن المنظمة من أن تبرهن على زعمها. ذلك يبدو أقل تسويغاً، وتقوى الحجج المؤيدة لتبنّي استراتيجية جديدة.

بالرغم من ذلك، يبدو أن وزن المزاعم المعارضة لتبنّي استراتيجية المسّ بلبنان بوصفها غاية رئيسية في النزاع مع حزب الله لا يزال كبيراً جداً ويفوق وزن المزاعم المؤيدة لتبنّيها. في الآن نفسه، التوجه الذي أُخذ به في الحرب الأخيرة والذي أكد محاولة المس بحزب الله بإطلاق النار عن بعد، وخاصة من سلاح الجو، غير ملائم هو أيضاً، وعلى ذلك يجب الأخذ باستراتيجية يكون في مركزها زيادة عنصر المناورة البرية مع إطلاق النار عن بعد ومع إصابة البنى التحتية وفي ضمنها البنى التحتية المدنية التي تخدم على نحو غير مباشر نشاط حزب الله القتالي. إن استراتيجية الاكتفاء برد محدود لمضاءلة احتمال التصعيد واحتواء الأحداث تستحق هي أيضاً الفحص.

سيناريوات نشوب القتال وأهداف للإحراز

يتعلق تحديد الأهداف الاستراتيجية لمواجهة مقبلة مع حزب الله بالسياق الذي ستنشأ فيه سوى الغاية المشتركة لجميع الحالات، وهي مضاءلة إصابة الجبهة الإسرائيلية الداخلية قدر المستطاع. إذا وقعت المواجهة من تلقاء ذاتها، وكانت نتيجة تحرّش حزب الله وقد سبقها توتر داخلي لبناني أو عمل انتقامي لاغتيال إسرائيل لعماد مغنية، فقد يكون الهدف الإسرائيلي إضعاف حزب الله وتعزيز الجهات المعتدلة في لبنان مع المسّ بقدرة المنظمة على إعادة بناء ذاتها، واستمرار السيطرة في منطقة جنوب لبنان وأن تعرض نفسها أنها المدافعة عن لبنان، مثل أهداف إسرائيل الاستراتيجية في حرب لبنان الثانية (حتى وإن لم تحدد على هذا النحو بصراحة).

إذا كانت المواجهة مع حزب الله حلبة ثانوية لنشوب مواجهة مع إيران في نطاق محاولة لصدّ تقدمها نحو التسلح بسلاح ذري، فمن المنطقي أن نفترض أن تكون غاية إسرائيل الاستراتيجية هي أن تضائل قدر المستطاع المسّ بالجبهة الداخلية، وأن تكون القضايا الاستراتيجية الأخرى أقل صلة. وإذا نشأت المواجهة لمحاولة حزب الله أن يساعد الفلسطينيين بسبب عملية واسعة لإسرائيل ضد حماس في قطاع غزة، فقد لا تكتفي إسرائيل بمضاءلة إصابة الجبهة الداخلية ومحاولة إصابة المنظمة إصابة أبلغ كما في السيناريو الأول وإن كان ذلك بالتدريج.

من الواضح جداً في جميع هذه السيناريوات أن إصابة البنى التحتية اللبنانية ـــــ المدنية أو العسكرية ـــــ لن تخدم على نحو مباشر إحراز الأهداف الإسرائيلية، بل قد تضر بإحرازها، على فرض أن الجهات اللبنانية المتصلة بالغرب لن تساعد حزب الله، بل ستوجه النقد لتصرفه. فقط في سيناريو يعمل فيه حزب الله بتأييد من حكومة لبنان لتقديم أهداف تعرض على أنها لبنانية عامة مثل «تحرير» مزارع شبعا أو منع الطلعات الجوية للطائرات الإسرائيلية في سماء لبنان، يوجد منطق وفائدة بارزان للمسّ بالبنى التحتية اللبنانية أداة لإحراز الهدف الإسرائيلي الذي قد يكون صد العدو ومنع قدرته على إحراز الأهداف التي نصبها لنفسه، مع المسّ بقدرته على إعادة بناء قوته العسكرية. يبدو احتمال تحقق هذا السيناريو اليوم ضئيلاً، وإن لم يكن غير ممكن.

إن من يؤيدون طريقة العمل التي تحصر عنايتها في المسّ بالبنى التحتية اللبنانية قد يزعمون أن قيمة حق الحياة سارية قبل كل شيء على حياة المواطنين الإسرائيليين المعرضين لهجمات حزب الله، ولما لم تكن هناك طريقة لمنع إطلاق النار بالمسّ بأفراد حزب الله وبناهم التحتية، فلا مناص من الاتجاه إلى هذه الطريقة بمنزلة ضرورة لا تعاب. لو كان الوضع حقاً كذلك، فربما نشأ تسويغ لطريقة العمل هذه في ظروف تقييد، بشرط أن يكون من الواضح المعلوم أن تفضي إلى النتيجة المأمولة. وفي الواقع ـــــ كما سنرى في ما يلي ـــــ ليس من المحقق البتة أن تأتي هذه الطريقة بالنتيجة. وليس صحيحاً أنه لا سبل أخرى تستطيع الإتيان بنتائج أفضل. بيد أن هذه السبل قد يصحبها التغرير بحياة جنود الجيش الإسرائيلي، وكما رأينا في السنين الأخيرة، شُوِّش شيئاً ما على قيمة الحق في الحياة عندنا، وتبيّن لها أننا غير مستعدين لأن نعرّض للخطر حتى حياة جنودنا، رغم أن عملهم الدفاع عن حياة المواطنين وعن مصالح الدولة الأخرى مثل سيادتها وأمنها، ولو كان ذلك بكلفة تعريض حياتهم للخطر وقت الحاجة، ومع الحرص على عدم المهادنة في القيم الأساسية للدولة والشعب. أرى أن هذا هو السبب الرئيسي الذي امتنعت إسرائيل من أجله عن تجنيد قوات الاحتياط في المراحل الأولى من حرب لبنان الثانية، وأحجمت بعد ذلك عن استعمال خطة العمليات التي في مركزها إجراء بري. كذلك، هذا هو سبب تفضيلنا الموافقة على الهدنة مع حماس بدل الخروج في عملية عسكرية، وهذا سبب بحثنا عن ضروب من الأفكار أخلاقيتها مشكوك فيها مثل مهاجمة البنى التحتية في لبنان أو تدمير بلدات فلسطينية في القطاع، آملين أن نستطيع القتال من غير أن نعرّض جنودنا لأي خطر.

■ ما فائدة مهاجمة البنى التحتية؟

هل حقاً ستحدث مهاجمة البنى التحتية اللبنانية الرد المتسلسل المأمول وتفضي إلى وقف إطلاق حزب الله للنار؟ رغم أنّ من الواضح أنّ إصابة البنى التحتية اللبنانية ستؤلم حزب الله، وتقلقه وتجعل من الصعب عليه أن يزعم أنه يخدم بعمله لبنان، فإن احتمال أن تفضي إلى وقف إطلاق النار كما أرى ليس عالياً (بالمناسبة وجد في حرب لبنان الثانية أيضاً نقاش مشابه في الحياة العامة اللبنانية والعربية بسبب الضحايا الكثيرين من اللبنانيين وعلى خلفية إصابة جسور وبنى تحتية أخرى في لبنان، وبالرغم من أن حزب الله كان قلقاً للنقاش وسعى إلى التحلل من محاولات اتهامه بالمسؤولية عن الأضرار فإنه لم يغيّر سياسته).

يقوم تصور حزب الله العام على افتراض أن إسرائيل (والولايات المتحدة مثلها) هي تجسيد للشر وأنها بمجرد وجودها هي تهديد دائم للبنان. ولما كان الأمر كذلك، فإنها أيضاً المسؤولة عن أي ضيق قد يعانيه لبنان لا حزب الله. هذا عنصر رئيسي في التسويغ الذي يعرضه حزب الله لاستمرار وجوده منظمةً مسلحة. لهذا فإن الهجوم الإسرائيلي على أهداف في لبنان سيعرضه حزب الله على أنه برهان ساطع على صدق زعمه وعلى أهمية التمسك بإطلاق النار من أجل ذلك أيضاً. في الحقيقة، ليس من السهل اليوم الإقناع بذلك. لكن الجمهور الذي يتوخاه نصر الله مباشرة على الأقل من الطائفة الشيعية ونظام معارضي الإصلاح في لبنان سينجح عنده بذلك بسهولة نسبية. وثمة احتمال لا يستهان به لأن ينجح حزب الله في أن يوجه في هذه الحالة بسهولة كبيرة الغضب إلى إسرائيل وإلى جماعات أخرى من الجمهور اللبناني وأن ينشئ تكتلاً لبنانياً كبيراً من ورائه معادياً لإسرائيل (المتوحشة). بل يستطيع أن يزعم أن إسرائيل تثبت بأعمالها زعمه أنه منظمة ذات هوية لبنانية وأن هناك تماثلاً في الواقع بينه وبين لبنان.

وفوق ذلك، فإن المعاناة والتضحية رمزان وقيمتان رئيسيان عند حزب الله، لهذا ليس من الممتنع عنده أن يستمر عليهما زمناً طويلاً، مع تجنيد الرأي العام الدولي والعربي لاستعمال الضغوط على إسرائيل ومع جرّ إيران مرة أخرى لضمان الإنفاق على إزالة الأضرار التي ستحدث للبنان.

المشكلة التي يعرضها حزب الله علينا هي حالة من حالات كثيرة لمنظمة تستعمل الإرهاب وتستغل نقاط ضعف دولة فاشلة للعمل من داخلها. حالة لبنان فريدة في نوعها، لأن ضعف الدولة من داخلها لا ينبع فقط من أن السلطة تمنح المنظمة الإرهابية الرعاية متعمدة (كما في أفغانستان تحت حكم طالبان أو في السلطة الفلسطينية)، بل من مميزات نظام العلاقات الحساس بين عناصر القوة، التي أكثرها ذو هوية طائفية بارزة. هذا النظام يقوم منذ سنين كثيرة على الحاجة إلى عدم التعبير عن الكبر النسبي للطائفة التي تمثلها المنظمة الإرهابية أكثر من أي عامل آخر، وعلى أن المنظمة تتمتع بتأييد ومساعدة تامين من الجهتين الخارجيتين اللتين لهما أكبر تأثير في ما يحدث في الدولة، ألا وهما سوريا وإيران. هذه حالة فريدة من نوعها أيضاً، لأن حزب الله في واقع الأمر يصنّف دولة داخل دولة، أي إنه ذو السيادة الحقيقي في المناطق الآهلة بالشيعة، وفي مناطق أخرى له تأثير كبير على اهتمام اللبنانيين باستمرار وجود لبنان وحدةً سياسية واحدة. وعلى ذلك، إن أي محاولة لتقديم فكر إصلاحي، أي لتعزيز سيادة الحكم المركزي والتخلي عن الإرهاب، من غير أن يسبق ذلك تغير لعلاقات القوة داخل الطائفة الشيعية وبغير أن تحدد حقاً قدرة سورية وإيران على أن تقررا كيف يعمل لبنان، إن تلك المحاولة ذات احتمال نجاح محدود جداً.
في مواجهة الإرهاب من مناطق غير مسيطر عليها داخل دول فاشلة، تقف الدول الغربية، ومنها إسرائيل في حيرة شديدة. لا يحلّ استعمال القوة عن بعد وفي ضمنه أن تكون موجهة إلى الجهة ذات السيادة، المشكلة. والعملية البرية الواسعة قد تقتضي بقاءً طويلاً ومكلفاً في منطقة معادية. والامتناع عن العمل يمكّن الجهات الإرهابية من الإيحاء بالقوة ومن تعزيز قدراتها. الحل المرغوب فيه، يقول بأن تحقق جهات براغماتية سيادة الدولة بمساعدة غربية، لكن بغير تدخل مباشر غير قابل للتحقيق، ولهذا يستميل الغربَ الحل السهل الذي ينشأ في ظاهر الأمر في لبنان وفي غزة معاً، وهو سيطرة الجهة المتطرفة على الدولة، وجعل المشكلة مواجهة بين الدول، وهو مجال من أجله تبني الدول الغربية قوتها العسكرية بناءً تقليدياً وتتمتع بتفوق نسبي. يتبيّن أن الجهات الإرهابية في هذه الحالات أيضاً تواصل استعمال القوة على نحو يناسبها، وتتهرب من تحمل مسؤولية سياسية وتحرص على الحفاظ على عدم البروز العسكري كثيراً. لذلك لا مناص آخر الأمر، وعلى نحو عام بعد أن تتلقى الجهة الغربية صفعة قوية مثل العملية في فندق بارك أو أحداث 11 أيلول، من عمل بري واسع. في حالة حزب الله أيضاً، انتظرنا حتى عملية الاختطاف، ولأننا امتنعنا عن عملية برية اضطررنا إلى الاكتفاء بإنجاز جزئي.



2009-08-14