ارشيف من :أخبار عالمية

زيارة بوتين إلى إيران.. رسائل ودلالات

زيارة بوتين إلى إيران.. رسائل ودلالات

 
تحولت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى رقم صعب في السياسة الدولية فضلاً عن الإقليمية. ملفات المنطقة ترتبط كلها بشكل أو بآخر بسياسة طهران، فإيران ليست اسمًا عابرًا في لعبة الأمم، بل هي لاعب أساس على رقعة الشطرنج، لا يمكن الدخول إلى قلعتها المحصنة بسهولة بل هي دائما ما تصل في سياساتها الناجحة إلى عقر دار ملك الخصم، وهي رقم صعب في المنطقة إن لم تكن الأصعب.

تحولت إيران مع الإمام الخميني إلى جمهورية إسلامية عزيزة لا تخضع، واستكملت مع الإمام الخامنئي بناء البيت السياسي الداخلي والخارجي، دولة بنيت على أركان متينة وأسس ثابتة، إلى أن تحولت إلى محط أنظار الدول الكبرى سياسياً، منهم من يعاديها وآخر يهادنها وثالث يتحالف معها، كل عهودها صادقة، تحترم حلفاءها ويحترمونها بدورهم، وتتعامل معهم بسياسة الند، تقارع الاستكبار وأدواته وليس لها حدود في الصمود والتطور وتتكامل في كل عناصر الدولة القوية (سيادة لا تتجزأ، شعب قوي، أرض مثمرة) كل ذلك يمكِّنها بأن تكون دولة قوية سيدة كريمة عزيزة مكتفية مقاومة لا تخضع.


زيارة بوتين إلى إيران.. رسائل ودلالات
لقاء سابق بين الإمام الخامنئي وبوتين

تبني طهران تحالفتها على أسس واضحة، أهمها التعامل بالمثل والصدق وعدم الإخضاع، وهي تنظر من منظور إسلامي يقوم على الإيفاء بالعهود والاحترام، ما يجعلها محل احترام العدو قبل الصديق (الاتفاق النووي نموذجاً لذلك)، ويجعلها محل احترام الحلفاء وعلى رأسهم روسيا، التي تؤكد باستمرار على التعاون المشترك بين موسكو وطهران والتوافق في مختلف ملفات المنطقة، وتأتي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الثانية إلى إيران في سياق تعزيز العلاقات بين الحلفاء، وهي تحمل بشكل مباشر وغير مباشر رسائل هامة جداً جلها موجه لواشنطن.

أولى هذه الرسائل هي رفض العقوبات الأميركية ضد الحرس الثوري الإيراني والتي تعتبرها موسكو غير قانونية وليس لديها مفاعيل مهمة في العمل السياسي، كونها لا تشكل أداة فعالة في السياسة الخارجية التي تستخدمها واشنطن للضغط على الدول المناهضة لها، خاصةً أن روسيا تنتقد باستمرار سياسة العقوبات الأمريكية ضدها أو ضد أي دولة أخرى ترفض سياسة الاستعلاء. وترى موسكو في هذه السياسة وفق ما تشير الخارجية الروسية بأنها تدفع بالعلاقات بين الدولتين في طريق مسدود.

أما الرسالة الهامة الثانية، فهي التأكيد على أهمية الاتفاق النووي الإيراني، والتعامل مع الجمورية الإسلامية الإيرانية على أنها دولة تفي بعهودها وعقودها، على عكس الطرف الآخر الذي ضرب كل المواثيق الدولية عرض الحائط، وبالتالي يريد بوتين تحميل إدراة ترامب مسؤولية فشل الاتفاق النووي الإيراني، وأن ذلك يقع كاملًا على عاتق السياسة المتعجرفة التي تتبعها الولايات المتحدة الأميركية في علاقاتها السياسية مع دول المنطقة، وبالتالي فإن سياسة موسكو الواضحة هي رفض إجراء أي تغييرات في الاتفاق الحالي بشأن النووي الإيراني. ما يفتح الباب واسعاً لاستمرار مفاوضات التعاون النووي بين ورسيا وطهران، في ظل انطلاق عملية وضع حجر الاساس لبناء الوحدتين الثانية والثالثة من محطة بوشهر النووية (جنوب ايران) بحضور رئيس منظمة الطاقة الذرية الايرانية علي اكبر صالحي  واليكسي لاخشيف مدير عام شركة روس اتوم الروسية.

الرسالة الثالثة التي تحملها زيارة بوتين هي التأكيد على جهود طهران في مواجهة الإرهاب، وضرورة التعاون معها من أجل محاربة الجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، ولطالما ظهرت جدية طهران في مكافحة الإرهاب والالتزام بالقانون الدولي وعدم خرق سيادة الدول الأخرى، ما يجعل الشريك الروسي يتمسك بتعزيز العلاقات مع طهران على أساس أنها دولة ملتزمة في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى في سياساتها الخارجية، وتعمل على تعزيز التعاون الدبلوماسي والاقتصادي مع كافة الدول التي لا تستخدم سياسة الاستكبار في علاقاتها مع الغير، كما يؤكد على رفض العداء الذي تكنه بعض الدول للجمهورية الإسلامية الإيرانية والتأكيد على أن هذا العداء يوتر الأوضاع في المنطقة.

هذه الزيارة، لرأس الهرم في روسيا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحمل رسالة رابعة يظهر من خلالها التوافق والتنسيق بين طهران وموسكو في معظم ملفات المنطقة وعلى رأسها الملف السوري، حيث يحاول البعض إظهار اختلاف الرؤى بين الدولتين حول إدارة الأزمة السورية وتسويتها، فيما أكد نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف، أن لا خلافات بين روسيا وإيران، فيما يتعلق بالتسوية في سوريا.

أما خامساً، فيعطي اللقاء الثاني للرئيس الروسي مع سماحة الإمام السيد علي الخامنئي، للعلاقات بين الدولتين مفاعيل سياسية استراتيجية هامة جداً، تؤشر إلى المقبولية السياسية بين سماحة الإمام الخامنئي والرئيس بوتين، ومتانة العلاقات بين روسيا وإيران التي تتعامل مع موسكو على أنه حليف استراتيجي كما تتعامل موسكو مع طهران في السياق نفسه، كما تبين عن إيفاء روسي للحلفاء على عكس سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي تعمل وفق مصالحها فقط دون الأخذ بعين الاعتبار موقف حلفائها الذين تستخدمهم كأدوات لتنفيذ أهدافها فقط.

2017-11-01