ارشيف من :أخبار لبنانية
خصوصية جبل عامل.. احتضان للمقاومة
صحيفة "السفير" - معن بشور
الحديث عن جبل عامل وصلته بالثورة الفلسطينية في الذكرى الثالثة لانتصار لبنان المقاوم، هو حديث عن تلازم المكان مع بسالة الرجال وكفاءة القيادة وفعالية الأداء وقد حققوا باجتماعهم للأمة بأسرها نصراً تزهو به، وقدموا لكل حركات المقاومة نموذجاً تقتدي به، وفتحوا للأمل بالنصر على العدو آفاقاً رحبة بات معها ما كان يبدو مستحيلاً ممكناً، وما كان يبدو بعيداً قريباً.
بين جبل عامل والجليل الفلسطيني علاقة صاغتها الجغرافيا وأحكم بنيتها التاريخ، وعمّقها نضال مشترك، ونمت فيها مصالح مشتركة، فحتى إذا حملت الظروف ثوار فلسطين إلى جنوب لبنان وجدوا أنفسهم في ارض كانت الأقرب إلى أرضهم، ومع شعب هو الأقرب إلى شعبهم.
مرّت العلاقة بين جبل عامل والثورة الفلسطينية بمرحلتين رئيسيتين أولاهما المرحلة الممتدة ما بين 1969 قبيل اتفاق القاهرة في 2 تشرين الثاني 1969 وبعده حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وثانيتهما المرحلة الممتدة ما بين اندلاع تلك الحرب والغزو الصهيوني الكبير في حزيران 1982.
في المرحلة الأولى بلغ تعلق الجنوبيين بالمقاومة الفلسطينية مراتب عالية جداً بدءاً من واصف شرارة الشهيد البعثي الذي قضى برصاص السلطة في بنت جبيل في المعارك التي استهدفت تمركز الفدائيين الفلسطينيين في القطاع الأوسط عشية الوصول إلى اتفاق القاهرة، وصولاً إلى انتفاضة مزارعي التبغ في كانون الثاني 1973 وشهيديها حسن الحايك ونعيم درويش والتي جاءت في جانب منها محاولة من القوى الوطنية والقومية والتقدمية لتخفيف الضغط السلطوي على المقاومة الفلسطينية بعد عدوان صهيوني كبير في 16 و17 أيلول 1972 أعقبته إجراءات غير عادية من قبل السلطة، مروراً بتظاهرة النبطية الشهيرة بعد ساعات على قصف صهيوني لمخيم النبطية في ما سمي آنذاك بحرب المئة يوم في شباط 1972 والتي حاول يومها العدو الصهيوني اغتيال الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي كان يرأس اجتماعاً للقيادة الفلسطينية ـ اللبنانية في غرفة العمليات في المخيم، وكنت حاضراً ذلك الاجتماع، وأدى القصف آنذاك إلى قتل حارسين على باب الملجأ الذي كنا نجتمع فيه.
اثر تلك التظاهرة العفوية وإلقاء الشاعر الشهيد موسى شعيب خطبة نارية فيها، جرى اعتقال شعيب وعدد من رفاقه في واحدة من محاولات عديدة للضغط على أنصار الثورة الفلسطينية في الجنوب.
حاول العدو الصهيوني مراراً خلال تلك الفترة أن يشن حملات عسكرية على الجنوب كان أولها وأبرزها عدوان 12 أيار 1972، وعدوان شباط 1972، وعدوان 16 و 17 أيلول 1972 أيضاً، بالإضافة إلى تدمير كامل لبلدة كفر شوبا في مطلع عام 1975 في إطار هجمات واعتداءات لم تتوقف في منطقة العرقوب، ناهيك عن عمليات محدودة في هذه القرية أو تلك، كان أهل الجنوب كما أسلفنا، يواجهونها ببسالة وشجاعة، وبروح استشهادية غير آبهة بالخلل الفارق في موازين القوى.
أما في المرحلة الثانية فقد بدأت هذه الصورة الوردية المشرقة تخبو وتتراجع مع اشتعال الحرب الأهلية، وانسحاب ما كان موجوداً من مؤسسات الدولة الأمنية والإدارية من الجنوب، وبروز مشاريع ما يسمى الإدارة المدنية للمناطق الجنوبية لسد حاجات المواطنين ولملء الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة أو تغييبها.
ولقد أدى الصراع الذي برز مع ربيع عام 1976 بين تحالف المقاومة الفلسطينية والمجلس السياسي «للحركة الوطنية» من جهة وتحالف القيادة السورية مع قيادة الجبهة القومية، التي كانت حركة «أمل» في مقدمة قواها، إلى انقسامات داخل الصف الوطني عموماً، والجنوبي خصوصاً، والى شبه حصار على القوات الفلسطينية ـ اللبنانية المشتركة، فاستغل الإسرائيليون وحلفاؤهم المحليون أجواء الحرب الأهلية من جهة، وأجواء الانقسام داخل المعسكر الوطني من جهة أخرى، لينقضوا على مناطق معينة سواء في العيشية أو القليعة أو برج الملوك وصولاً إلى مرجعيون والخيام، فينقلوا خطوط تماس الحرب الأهلية إلى الجنوب.
وأدى ذلك إلى نشوء الجيب الحدودي، في حزيران 1978 وإلى قيام ما سمي «بدويلة لبنان الجنوبي» بقيادة الرائد سعد حداد.
ومع تداعيات الأحداث، ورجحان كفة التشدد في العلاقة بين الثورة الفلسطينية وبيئتها الجنوبية أخذت الفجوة تتسع، والاشتباكات الداخلية تزداد وتنتقل من منطقة إلى أخرى حتى بات الجنوب ومعه لبنان بأسره، ومعه الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية في حالة إنهاك شديد أدت إلى استغلالها من قبل العدو الصهيوني، الذي قام بغزوه الأكبر عام 1982 لينهي هذا الغزو ظاهرة المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان.
دروس مستفادة
إن استعراض هذه المحطات الرئيسية في علاقة جبل عامل والثورة الفلسطينية لا تعفينا من دراسة تفصيلية لكل واحدة من تلك المحطات بإيجابياتها وسلبياتها بهدف تطوير الايجابيات والتخلص من السلبيات، بل تطرح إشكالات حول علاقة المقاومة بالبيئات الحاضنة، وحول الحد الفاصل بين متطلبات حماية المقاومة، وهو أمر واجب، وبين محاولات الانغماس في تفاصيل وزواريب وصراعات على السلطة، والتي تتحول عادة إلى عبء على المقاومة نفسها.
فلكل مقاومة بيئة حاضنة مباشرة تمثل النسيج الاجتماعي أو الحزبي أو الإقليمي أو الطائفي الذي انطلقت منه أو سعت إلى تعبئته، ولها أيضاً بيئة حاضنة غير مباشرة تشكل السياج الأوسع والأضمن حولها. ولقد أثبتت كل حروب التحرير أن نجاح أي مقاومة رهن بقدرتها على تحويل بيئتها الحاضنة المباشرة إلى بيئة جاذبة للبيئات الأوسع وقادرة على التفاعل معها، وتطوير تعاطفها، وتصحيح أي خلل قد ينتاب العلاقة معها، وإن تعثر أي مقاومة هو نتيجة الفشل في تحقيق ذلك، وتصادم البيئة الحاضنة المباشرة مع البيئة الحاضنة غير المباشرة.
ولعل الدرس الآخر هو رسم حدود العلاقة بين تنظيمات المقاومة وحلفائها المحليين، فلا تندفع هذه العلاقة لتصبح لها الأولوية حتى على استراتيجية المقاومة الكبرى.
الدرس الثالث: الذي ينبغي التمعن فيه بدقة وموضوعية هو في دور المقاومة في تنظيم حياة المواطنين في المناطق التي تتواجد فيها، وتحديداً في علاقتها بالدولة ومؤسساتها. هل تنغمس تنظيمات المقاومة في كل تفاصيل الإدارة اليومية لشؤون الناس أم عليها أن تبقي نفسها بعيدة عنها وعن تفاصيلها وعن المشاحنات الطبيعية التي ترافقها وتكتفي بتوفير الشروط العامة التي تؤمن مصالح الناس وتضمن عدم استخدام حاجاتهم لمحاصرة المقاومة.
أما الدرس الرابع: فلا بد من خطاب قادر على حشد طاقات الأمة بأكملها، بل على تعبئة أحرار العالم كلهم إلى جانبنا، لأن حسم المعركة مع هذا العدو يكمن في جانب مهم على قدرتنا على حسمها وأيضاً في عواصم الأمة كما في عواصم القرار الدولي نفسها.
فإذا شاءت ظروف انطلاقة أي حركة مقاومة أن تكون محصورة ببيئة محددة، فئوية أو جهوية أو قطرية، فإن شروط الانتصار مرهونة بقدرة هذه الحركة على الانطلاق نحو رحاب الأمة الواسعة، ونحو جذب كل أحرار العالم وقواه الحية إلى جانبها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018