ارشيف من :أخبار عالمية
من دارين إلى بلفور: الإرهاب بوجهيه
في أواخر عام 1914 وأوائل عام 1915 طلب ابن سعود (الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود) الدخول تحت الحماية البريطانية. كان طلب الحماية من ابن سعود يعود لعام 1913، إلا أن الاتفاقية التي سبق ووقعتها بريطانيا مع السلطة العثمانية حالت دون قبولها بطلب الحماية.
لكن شهر كانون الاول/ديسمبر من العام 1914 شهد تطورًا هامًّا، فقد أعلنت السلطنة العثمانية عن دخولها الحرب العالمية الأولى الى جانب ألمانيا معلنة الجهاد، فأعاد ابن سعود تأكيد مطلبه السابق وطلب الحماية والاعتراف وعقد معاهدة، فوافقت بريطانيا على ذلك.

بلفور ووعده المشؤوم
وفي رسالته المؤرخة في الأول من كانون الثاني يناير 1915 قال ابن سعود رداً على رسائل المقيم السياسي البريطاني "بيرسي كوكس": "حمدت الله على سلامتكم وسررت بأن أقرأ ما كتبتموه حول نجاحكم في «القرنة» وأرجو لكم التوفيق الدائم. أما فيما يتعلق بي فقد بعثتم في نفسي الأمل نتيجة ما تم من أمر احتلالكم هذه البلاد فسيكون لدينا سبب أعظم من السابق للرضا وأن بلادنا ستكون بمأمن من استبداد الحكومة التركية التي عانينا منها في الماضي وليس لدينا هناك شك بأنكم أعدل الناس وأكثرهم تقديراً لحقوقنا وحقوق الناس المحترمين. وإنني كنت معتزاً دائماً بمشاعر الصداقة والاحترام نحوكم ولا أفكر بأي أمر يكون معارضاً لرغباتكم. والآن قد تسلمنا بكل احترام أمركم، وإننا مقتنعون بأن مصلحتنا وشرفنا يتوقفان على إطاعة أوامركم".
لقد أثمرت المفاوضات بين الطرفين توقيع اتفاقية "دارين" في 26 كانون أول /ديسمبر 1915، حيث وقعها "برسي كوكس" المقيم السياسي البريطاني في الخليج الفارسي وابن سعود، وبموجب هذه الاتفاقية اعترف البريطانيون بنجد والإحساء مُلكاً لابن سعود كما كانت لأجداده، ولأحفاده من بعده، والتزمت بريطانيا بحمايته، وعدم دخول الأخير في علاقة مع أي قوة خارجية.

عبد العزيز والبريطاني بيرسي كوكس: تأسيس المملكة الوهابية
شكلت الاتفاقية دافعا قوياً لابن سعود ليوسع إمارته فسيطر على كامل نجد عام 1921 ثم انتزع مملكة الحجاز من الهاشميين ونصب نفسه سلطانا على الحجاز (1926). وهكذا، ومن جديد أصبح للوهابية دولة.
بينما كان البريطانيون يوقعون مع ابن سعود اتفاقية دارين عام 1915 تمهيداً لإقامة دولة الوهابية، كانوا أنفسهم يمهدون في الوقت نفسه لإقامة "دولة" دينية أخرى في المنطقة، لكنها هذا المرة "يهودية-صهيونية".

العصابات الوهابية أباحت دم المغاير
ففي الثاني من شهر تشرين الثاني نوفمبر 1917 أرسل وزير الخارجية البريطاني "آرثر جيمس بلفور" رسالة إلى "اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد" يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء "وطن قومي لليهود الصهاينة" في فلسطين.
وهكذا، ما إن أطل عام 1930 إلا وكان كيانان مصطنعان قد بدت معالمهما:
- أطلق على الأول اسم "المملكة العربية السعودية".
- وعلى الثاني أطلق اسم "اسرائيل"".
يصعب التصديق أن هذين الحدثين اللذين لم يفصل بينهما أكثر من سنتين، قد وقعا صدفة. فإن تكرار الصدف يثير الارتياب.
على أن القضية لا تتعلق بالتوقيت فحسب، وإنما بطريقة النشوء وطبيعة نظام الكيانين. أما في النشوء، فكانت البداية مع عصابات تقوم بالقتل والسطو على القوافل والمدن والقرى. في المملكة أطلقوا على انفسهم اسم "اخوان نجد"، وفي الثانية، أي "اسرائيل"، كانت عصابات "الهجانا" و"البلماخ" و"شتيرن" و"ليحي". أما لناحية طبيعة النظام، فالتشابه يكاد يصل حد التطابق:
اعلن ابن سعود ان الحجاز هي بلاد حكم أجداده التي ينبغي أن تعود إليه، فيما فلسطين بالنسبة للصهيونية هي أرض المعاد، وموطن اليهود ما قبل التيه.

المجازر التي نفذتها العصابات الصهيونية في فلسطين
وفيما يعتبر اليهود والصهاينة أنهم "شعب الله المختار"، تنظّر الوهابية لمفهوم "العصبة المؤمنة" و"الفرقة الناجية"، وأنهم هم وحدهم دون غيرهم "أهل السنة والجماعة" وأصحاب العقيدة السليمة والمنهج القويم.
ينظر اليهود والصهاينة الى الآخر نظرة دونية، فهم الشعب "السامي" الذي يسمو على الآخرين، فيما تعتبر الوهابية نفسها مستعلية "باستعلاء الايمان".
يتسلح الصهيوني ضد غيره باتهام الآخر بمعاداة السامية، فيما يمسك الوهابي سلاح التكفير والشرك ليبيح دم "المغاير". هو سلاح الاقصاء اذاً.
والخلاصة، أن كليهما يملك نظرة دينية عنصرية متزمتة، لا ترى في الدين الا نظرة واحدة فاردة. دون أن ننسى الدور الذي لعباه في الحرص على اجهاض أي محاولة وحدوية، فاشتركا في العداء لعبد الناصر وفي الحروب عليه، وتآمرا على الوحدة المصرية السورية، ومولا الحروب، وزرعا الفتن، وها هما اخيرا يدعمان داعش وحركات التكفير سرا وعلانية.
ما بين اتفاقية دارين ووعد بلفور المشؤومين، تشابه كبير، فقد أسسا للوهابية والصهيونية، وجهي الارهاب العالمي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018