ارشيف من :أخبار عالمية
’التعويم’.. في نفق التبعية
السوق مفعول به، فاعله حكومة تخططُ وتنفِّذ، وقطاعٌ صناعي يعمل وينتج، وزراعةٌ تمنح الأمان ضد تقلبات أسعار السلع الغذائية بالعالم، وتجارة تنقل وتحرك السلع بين الأطراف، أو بين الداخل والخارج.. قرار تعويم الجنيه، أو تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، كان أهم قرار اقتصادي مصري خلال عقود عديدة ماضية.
قرار التعويم جاء استكمالًا للحظة دخول مصر الأولى إلى نفق التبعية الكئيب، التعويم تأخر أو تقدم عن لحظة كانت مقررة سلفًا يوم قرر نظام "السادات" تقديم البلد رهينة لصندوق النقد الدولي، رهينة ترقد بلا حراك تنتظر القرارات الصادرة من واشنطن كسكاكين تقطع لحمها إربًا.

الجنيه المصري فقد كل وسائل دفاعه ومصادر قوته، بعد أن تفننت أنظمة التبعية، أو ما بعد كامب ديفيد، في نزع الأسلحة والدروع فتقلصت المساحات المزروعة عامًا بعد آخر، وخُربت الوحدات الإنتاجية تباعًا، وبيعت المصانع بالبخس، فلم يعد من المجدي اقتصاديًا –من وجهة نظر خبراء الصندوق- أن تستمر الحكومة في ضبط سعر الجنيه أمام الدولار.
بقدر ما ضرب تحرير سعر الصرف أسس التعامل في السوق المصرية، بقدر ما خلق واقعًا جديدًا، استفادت منه قطاعات وخسرت أخرى الكثير، ولا تزال المكاسب والخسائر مستمرة بعد عام من التعويم.
ما بدا من ألق في 30 يونيو، كبدايات حلم أمّة بطابع المراهقة، في طريقه ليختم بـ"نكبة" كاملة.
الصناعة الوطنية التي كان من المفترض أن تكون الرابح وفرس الرهان، سقطت أو أسقطت عمدًا فى اختبار "التعويم"، خاصة بالنسبة للمستثمر الصغير، والصناعات التي تحتاج لمواد خام مستوردة، واستمرت مواجع المناطق الصناعية، ونزيف المصانع المغلقة.
ورغم ارتفاع العائد على الصادرات، وزيادتها طبقًا لبيانات وزارة الصناعة، حيث سجلت الصادرات المصرية غير البترولية ارتفاعا خلال الـ9 أشهر الماضية، من يناير إلى سبتمبر، مسجلة 16 مليارًا و490 مليون دولار مقارنة بـ14 مليارًا و890 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي 2016 بزيادة نسبتها 11%، إلا أنها زيادة مرتكزة على قطاعات تصديرية تقليدية، على رأسها المواد الخام.
وفي قطاع الدواء الاستراتيجي، تعاني الاسواق من نقص حاد في الأدوية، واحتاجت المصانع لقرارات إعادة تسعير منتجاتها، لتوازي ارتفاع التكلفة الهائل، نتيجة لاعتماد الصناعة بالكامل على استيراد مدخلات الإنتاج، وعدم وجود مصانع مصرية للمواد الخام، ما ألقى بالمزيد من الأعباء على رأس المواطن.
وفي قطاع التجارة والاستيراد، سيطر الركود على الأسواق، مع ارتفاع الأسعار لأرقام قياسية، وبلغت الزيادة في الملابس الجاهزة 100%، وتخطت تلك النسبة في السلع الكهربائية وغيرها.
معدلات التضخم التي أعلنها البنك المركزي المصري مؤخرًا، ارتفعت لأعلى مستوى على الإطلاق، رغم وعود طارق عامر المتتالية، وحقق معدل التضخم خلال شهرين بالعام الحالى 35.26% فى يوليو الماضى، مقابل 31.95% فى يونيو السابق عليه، أي أن البنك بذاته يقول إن مواجهة التضخم ما زادته إلا اشتعالا، وللشهر العاشر على التوالي التضخم مستمر في تحقيق أرقام قياسية، لم تشهدها مصر في تاريخها على الإطلاق.
مستثمرو البورصة استفادوا بشكل ملياري من القرار، وامتدت الاستفادة إلى من كان يعلم مسبقًا بالقرار.. لأن قرار تعويم الجنيه، كان يعلم به متنفذون في مصر، وحققوا من ورائه الكثير، ومجلة "فوربس" الاقتصادية على سبيل المثال فضحت تضاعف ثروات رجال الأعمال المصريين في عام التعويم.
قبل اتخاذ قرار تعويم الجنيه، كان من الواجب على الدولة إعادة فرض الضرائب على البورصة، وإعادة تطبيق ضريبة الأغنياء، لتساوي الأعباء التي يحققها الأثرياء أرباحهم من جيوب المواطنين.
قرر "السيسي" تحميل فاتورة الإصلاح -المزعوم والمفروض- للفقراء ومتوسطي الدخل، وكافأ رجال أعماله ومستثمريه وأحبابه وجلسائه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018