ارشيف من :أخبار لبنانية

المقاومــون يســتعدون لأكثــر مــن ردع العــدوان

المقاومــون يســتعدون لأكثــر مــن ردع العــدوان

صحيفة "السفير" - نصري الصايغ


I موعد لمن يشبه توما: يرى بإصبعه

قلت لها: هل يسمح لي بأن أعيش فترة من الزمن، مع المقاتلين في الجنوب، فأتعرف إليهم كبشر حقيقيين، كأناس ينتمون إلينا وننتمي إليهم؟ وانتظرت الجواب أياماً واسابيع، ما بين الخامس والعشرين من أيار وبداية شهر تموز. كدت أنسى الطلب، ولم تغب عني الرغبة، ظلت تلح عليَّ: «يجب ان تعيش معهم كي تعرفهم. يجب ان تنام معهم وبينهم في أماكن اقاماتهم المجهولة. عليك ان تتوقل معهم الأماكن الصعبة. لا بأس ببعض التعب. ارادتي ستتغلب على عمري الستيني، ووزني التسعيني. لقد علمك توما الرسول ان تضع اصبعك في جرح المسيح، كي تصدق. ودرست على أندريه جيد: لا يفيدني ان تقولوا لي ان رمال الشاطئ ساخنة، عليَّ ان أتحسسها بباطن قدمي».
انتظرت الجواب حتى جاءني الرسول: «حَدِّدْ موعداً. الشباب ناطرينك»، فاستحققتها. الرغبات لا تشبه الامكانات، والانفعالات لا تتوازى مع تحضير النفس، لمشقة الانتقال من راحة البيت، والمكتب المكيَّف، الى جبال ووديان وأماكن... طلب مني ان أراها بعينين مغمضتين. أي: انظرْ وانسَ. ما رأيته هنا، دفن هنا.
في الموعد المحدد، كنت في طريقي الى الجنوب: لا عنوان. لا أشخاص. فقط موعد اللقاء واضح. وما تبقى: «على الاخوان». هم سيتعرفون إليَّ، وسيرشدونني إلى حيث «متعة المشقات النبيلة».

II لا أعرف أحداً: رجال بلا أسماء

عرفاني عندما شاهداني أتمشى في باحة. سلامات وكلمات قليلة، وبسرعة هادئة، انتقلت معهما الى حيث يريدان. كلام قليل. ابتسامات غير مفرطة، وطرق عادية تؤدي الى منزل غير مستقر. نترجل وندخل. نسلم على الاخوان في المنزل ونقتعد الأرض.

حتى الآن، لا كلام. لا أعرف من هما. هل هما مرافقان لي اوصلاني الى مكان الانطلاق؟ كيف أتعرف اليهما؟ الاسماء ممنوعة من التداول، فاخترعت اسمين حقيقيين لهما، وهما من تراث البلد هناك: هذا «الحج» والآخر «سيد». وهكذا سارت الأمور حتى اليوم الأخير: يا حج! يا سيد! ويا أستاذ.
طريقة للتعارف كي لا تعرف شيئاً عنهما.

امتدت سفرة الترويقة أرضاً. امتحان صعب على من اعتاد تناول الطعام جلوساً منضبطاً على كرسي. حاولت الاقتراب من صحن اللبنة، ففشلت. كدت أقع على جنبي. اشتلقا عليَّ: صحن خاص للأستاذ. وسارت الترويقة مسراها غير الطبيعي، مع الشاي. ومن خلال توافد «الاخوان» من مهماتهم، عرفت انني بصحبة مسؤولين. طريقة المخاطبة، وكيفية الاستماع، ارشدتاني الى انني استطيع فتح باب الأسئلة:

ـ إلى أين؟

ابتسمنا جميعاً، لما لـ«إلى أين» من وقع خاص، فهي ماركة مسجلة في السياسة، أكثر مما هي دلالة في الجغرافيا. نهضنا: لا خلوي. لا كاميرا. لا آلة تسجل، ولا... لكن أين اضع ثيابي الداخلية وأوراقي. وُضعت في سيارة وانتقلنا بسيارة أخرى. لعلها من ذوات الدفع الرباعي. لفتني توزيع ثلاث قبعات سوداء جداً جداً، وثلاث نظارات سوداء بشدة. أشرت الى قبعتي «مشغرة قلب القمر»، ابتسما وقالا: سنحتاج الى هذه.

لا شرح. الاقتضاب هو الجواب.

قلت في نفسي: استفهم بعينيك، لا بلسانك. انظر. راقب. تطلع. بقبش. وكِّد. لاحظ. ارصد. واتكل على حدس الاستنتاج، لأن اللغة حتى الآن ممتنعة.

III القط الأعمى

من دون ان تتوقف السيارة، اشار اليَّ «السيد» الى مكان على منعطف: هنا تلة مسعود. السيارة تمضي مسرعة. لم يتح لي ان ارى لا تلة ولا مسعوداً. قلت في نفسي: حتى الرؤية غير ممكنة؟ تململت من مكاني وسألت: وماذا في تلة مسعود؟ قال: اشتباك مع وحدة استخبارات من قوة ميغران. قام الشهيد «الدوري» بتطهير البيت. جاءه الأمر، وهو القادم من حولا سيراً على الأقدام، كي يقاتل في بنت جبيل. واستطاع «الدوري» ان يطهر البيت، ويقتل من فيه. وقد كانت القوة المرابطة من فريق الاستخبارات.

عرفت أهمية تلة مسعود، عندما اشرفنا عليها من بعيد ومن فوق. كانت بوابة الدخول للمدرعات، ولما سقطت تلة مسعود، اغار الطيران الإسرائيلي عليها، ودمر المنزل بما فيه من أجهزة الكترونية متطورة.

قلت في نفسي: معركة لا تروي غليلاً. فهذا قليل هام، من كثير عظيم الأهمية، الى حد الأسطورة، انما، كيف أصل إليه؟

وبعد لف ودوران، بين طرقات اسفلتية طبيعية، وطرقات شبه اسفلتية، لا يسلكها الا «الاخوان»، ومعابر ضيقة، وطرقات من حجر وغبار، مسيجة احيانا بكثير من الاغصان المتدلية والاشواك الحشرية، طلب مني «السيد» ان أضع القبعة والنظارات السود، فقد بتنا على بعد امتار قليلة من مواقع الإسرائيليين المواجهة على طول الخط الأزرق.

ولأني ألبس نظارات طبية، فيها درجات حرزانة من «الميوبي» و«البريزبيسي»، و«الستيكماسي»، فقد قلَّت الرؤية، وصرت شبيها «بالبسين الأعمى». بالكاد أرى قدامي وحولي.

وبدأ «الحج» من الخلف يشرح و«السيد» يضيف. «الطاقية السوداء الكبيري والعوينات كي لا يعرفونا». هناك آلات تصوير: انظر الى هذا العمود. عين الكاميرا في رأسها. العمود بعيد جداً. انه على تلة داخل الأراضي المحتلة. أكد لي: صورتك الآن بهذا الشكل موجودة عندهم. صوروك وخلص. لكنهم لن يعرفوك. بسبب «الطاقية والعوينات السود».

فهمت وشكرت وصرت أترقب لحظة استطيع فيها ان اضع نظارتي الطبية لأرى، وبدأ الشرح:

IV العدو من أمامكم... ولا نخاف

هنا، نحن متواجدون على الخطوط الأمامية، حيث جرت أولى معارك حرب تموز. وبدأ يشير بيده الى المواقع القريبة والبعيدة. هنا، كان الاخوان، هذه مواقع كنا نرصد فيها العدو، اربعاً وعشرين ساعة على اربع وعشرين. نراهم بكامل تفاصيل تحركاتهم (قلت في نفسي: مبالغة! كيف يراقبون الإسرائيليين ليلاً. مش معقول).

نزلنا من السيارة. أحكمنا قبعاتنا الى الأمام. لم تعد الكاميرا تلتقط أي فسحة من وجوهنا.

هنا هرمون والتيارات. من هذا المكان موقع إسرائيلي متقدم، يشرف على عديد من القرى اللبنانية. وهو مجهز بكاميرات مراقبة دائمة. وهناك، ثكنة دوفيف (لأول مرة أرى ثكنة عسكرية لعدو)، وهذه الثكنة مقر لقيادة السرية من جهة منطقة هرمون لجهة الصدح. وتضم الثكنة ملالات وبوما (مدرعا) وناقلات جند.

وأشار الى جهة الغرب: سنقترب منها بعد حين. سنصل الى التخوم الملاصقة لبوابات العبور. نظرت من حولي، فدهشت. «ولا عرق اخضر» هنا. والثكنة هناك، ابنية مرصوصة، وفسحات واسعة، وأشجار باسقة، وطرقات ملتوية ومستقيمة، بعضها يبدأ من الناقورة ليصل الى بلدة سعسع، فيما الطرف اللبناني، غارق في سحنة من رمل وقبضات من صخور وأودية يكثر فيها الشوك وغبار الأيام المتروكة.

أعطيت ملاحظة للأخوين حول فداحة المنظر، الجواب مختصر: اسأل الدولة. تقدمنا الى مكان آخر. اقتربنا أكثر من الكاميرا. باتت فوقنا تقريباً. حاول «السيد» التقدم بضعة أمتار. نصحه «الحج»: «بلاها، هلق مناكل رشق. بلاها». عدنا ادراجنا، وتوقلنا الجبال. رحلة في ارض معلومة بتفاصيلها من قبلهما: «هنا امضينا عمراً. نحب هذا المكان» (قلت في نفسي: ما هذا المكان. ارض حفرا نفرا وخلفها تلال وأودية جرداء).

من بعيد، اشار لي الى موقع وثكنة زرعيت، وهي لجهة الغرب، وتضم كتيبة للدروز. وهي تمتد بفعل مسؤوليتها الى منطقة العرامشة (مستعمرة) والى منطقة هرمون. وفي المكان الذي اشرت اليه باصبعي قال: هذه ثكنة برانيت، مقر قيادة الفرقة الشمالية، قبل التحرير. وهو موقع لسرية عسكرية مؤللة تمتد من رميش لجهة تل شعر. وبعد قليل، وصلت الى جدار رميش. المنطقة، عن جد «حفرا نفرا»، نبت فيها العشب المجنون من كل جهة. قال الحج: «هنا كان يتم تجنيد العملاء. هنا طريق التهريب... وهنا كل الشرور أيضاً».

سألته: ماذا كان نصيب هذه المواقع في عدوان تموز؟

قال: قصفت بالكامل. انصبت عليها الصواريخ أكثر من مرة.

قلت: لكنها محصنة. الجنود لديهم حماية داخل مواقعهم. قد لا يتعرضون لأذى.

قال: الحرب ليست دائماً لقتل الجنود. هي لتعطيل فعاليتهم وقدراتهم القتالية.

فهمت وخرست. أنا مشغول بعدد القتلى، وهو منشغل بتعطيل آلة الحرب او عطبها او تأخير ديناميتها. هو يفهم بفن القتال. وأنا من قبيلة الثأر. خجلت.
الملاحظ، أننا كلما كنا نتوغل في الطرق الوعرة ونقترب من خطوط العدو، كانت تلحق بنا قوات الطوارئ الدولية. سلام ولا كلام. وأحيانا كانت دوريات الجيش اللبناني تراقبنا من بعيد، واذا وصلنا إلى حيث الخطر، جاؤوا الينا. وهنا: سلام وكلام ويعطيكم العافية يا شباب.

ولدى صعودنا الى موقع مواجه، راح الاثنان يتذكران ماضيهما هناك. هذا شهور وهذا سنوات، الى ان اشار «السيد» بيده الى غابة صغيرة: هنا توقف رتل الدبابات الإسرائيلية ولم يستطع التقدم. شرح لي اكثر: كان على المقاتلين ان ينتظروا دخول الرتل الى مكان محدد، ويصلون المقدمة صليات مباشرة.

وعندها، توقف الرتل. جبناء. دباباتهم أجرأ منهم. هي مجهزة بحصانة، أما هم فكانوا يتوقفون، طلباً للامداد الجوي، ويعودون ادراجهم. مرات عديدة توغلوا وتراجعوا. و«الله، لو رأوا أمامهم اشارة ممنوع المرور لتوقفوا», نكتة! ، لكنها ذات مدلول. الآلة متفوقة، أما الجندي الإسرائيلي ففي حالة قتالية بائسة.
 
V هنا نهض الابن من موته بصوته...

هنا دافع الأميركي عن يارون

السيارة تعود الى قلب يارون. بلدة يعاد بناؤها بعد التدمير الذي طالها. يارون، بلدة مقاومة. في نداء، رفيق علي أحمد، يذكر الممثل بصوته البالغ القسوة والحنان بنت جبيل وعيتا ومارون الراس وعيترون. هناك، تبدأ الحكايات. ندخل بيتا. انه الظهر وأكثر قليلاً. البيت لمسؤول في البلدة. يعرفني ولا يثق بي.

يسألهم «بالوما». أخيراً يقول لهم بصوت مرتفع: «شو، بحكي؟». الجواب: «خود راحتك يا حج». قلت: صاروا حجين وسيد، ولا أسماء.

أنا أكبر منه عمراً، ولما سألته قلت له يا عم: «ابتسم. فأنا العم وهو الشاب». لم نتوقف عند هذا الإشكال المسلِّي، لأن وجبة الطعام الإلزامية حضرت.

كبسنا بكبسة طيبة المذاق، ثم حضر الشاي وما فاضت به ذاكرة الأوجاع. ولما تمنعت عن تناول الطعام، خوفاً من إلحاح النعاس، تمنع رفيقاي. حُرِما من لذة الكبسة. وكان الوقت وقت غذاء. عوضوا عن المائدة الكريمة بأن فرشوا للصلاة مائدة جانبية، وتناولوا فيها كلام الله.

«أنا وابني على طول في الحرب. هو في مكان وأنا في مطرح ثاني. ابني عريس، وعروسه وحدها. ابي نصف مشلول في بيته لم اتمكن من زيارته او عيادته. ولأن الاخوان يعرفون مدى تعلقي بأبي، نصحوني بألا اعوده كي لا أضعف (قلت: يعرفون البسيكولوجي أيضا). ابني يتلقى الأوامر مني: تقدم فيتقدم. هو على الجبهة وأنا من بعيد قريب.

القصف يقترب. التلال التي حولنا، حوَّلها القصف الإسرائيلي الى منصات قاتلة. البيوت تنهار. تتقدم جرافتان وحولهما جنود إسرائيليون، ابتعدتا حوالى 800 متر عن السياج. قذيفة مدفع تصيب الجرافة. يهرولون ويهربون ويعودون الى خلف السياج، ويتركون الجرافتين في أرضهما.

دُمرت بيوت كثيرة في يارون. وللمفارقة، أول بيت دمر، لم يقبض حتى الآن الدفعة الأولى (قلت: ملَّلا دولة). لا تعليقمن الاخوان.

حتى الآن، كان الكلام عن معارك ماضية، لا يشكل مادة تُحس. والمعارك عادة، بعد حصولها، تصير كلاماً او صوراً. والحالتان لا ترضيان شغف النفس، ولا ترضيان توما، الذي أشبهه وأتكنى باسمه.

لم يشأ «العم» ان يتحدث عن نفسه. فحدثني الحج قال: كان ابنه، وسماه باسمه: في تجمع مطل على واد، يتوقع ان يكون ممراً للدبابات الإسرائيلية. اتصل بالجهاز وأعلم القيادة بتقدم الدبابات، وانهال القصف على التجمع. دُمر بيتا بيتا، طابقاً طابقاً، و«الابن» ينتقل، مع آلة الرماية من غرفة الى غرفة وينجو.

أخيراً لم يبق له الا خزان الماء. فالتجأ اليه. أمروه باخلاء الموقع. رفض. هو يقبل الاوامر التي تقول له تقدم. لا يقبل الأوامر التي تأمره بالتراجع. لم

2009-08-14