ارشيف من :أخبار لبنانية
الوضع اللبناني الهش وأخطار العدوانية الأميركية ـ الإسرائيلية
المحرر المحلي + خالد حدادة
إن أسوأ مظاهر الأزمة في لبنان، بشقها السياسي كما في شقها الاقتصادي ـ الاجتماعي، أنها تمنع اللبنانيين من الفرحة والفخر... فيوم الرابع عشر من آب، يوم اعتراف العدو الإسرائيلي بفشله في تحقيق أهدافه بفعل صمود المقاومة والشعب والجيش في لبنان، يوم صدور الصحف الاسرائيلية مكللة بالسواد تبحث عن المعاني العميقة لهذه الهزيمة، ليس في عدد البيوت المدمّرة في إسرائيل وهي حكماً قليلة نسبة لتلك التي دمرتها الآلة العسكرية الأميركية ـ الاسرائيلية في لبنان، وليس في عدد القتلى والجرحى من الجنود والمدنيين (ومعظمهم من الجنود) وهي أيضاً ليست كبيرة مقارنة بآلاف الشهداء أو الجرحى اللبنانيين (ومعظمهم من المدنيين)... لم تركز الصحف في بحثها على هذا الجانب بل ركزت على ما هو أعمق على الجرح الكبير الذي ألحقه الصمود اللبناني بوظيفة الكيان الصهيوني وبالتالي كيفية البحث بمعالجة هذا الجرح... وهنا حقيقة يكمن الدرس الأعمق للمواجهة في تموز 2006، وهذا ما يعطي هذا الصمود بعده العربي وليس اللبناني فقط...
ولم يقتصر هذا البحث على الداخل الصهيوني، بل تعداه الى مراكز الأبحاث في رأس حرب المشروع الذي قرر عدوان تموز أي في واشنطن التي لم تستغن في بحثها هذا بعض صغار المستشارين بصفات رئاسية أو ملكية أو غيرها في العالم العربي وفي أوروبا...
أهم ما يمكن تلمّسه وبشكل أولي من نتائج هذه الأبحاث، هو بعض الحقائق أولها أن الإدارات الأميركية وآخرها إدارة «أوباما»، لم تخرج عن تثبيت قرارها بالحفاظ على هذا الكيان وحمايته وحماية وظيفته كأولوية لضمان السيطرة على النفط العربي ولضمان مسار التشرذم والتفتت والانقسام وإذا ما كان هنالك من تعديل في هذا المجال فهو البحث غير المجدي حتى الآن (وهو غير مجد لأنه طرف في الصراع) عن دور آخر للسلام المفترض لحماية الكيان إضافة إلى تعزيز القوة العسكرية...
وثانيها أن المعارك الأخرى للولايات المتحدة في المنطقة، يجب أن تأخذ ضمن أولوياتها أن لا تكون على حساب القضية الأساسية وعلى حساب الدور الإسرائيلي، بل أن يكون أي تقدم على الجبهات الأخرى داعماً لهذه الجبهة الرئيسية...
وثالثها، إن ضمان أمن اسرائيل ودورها، هو حتماً مترافق مع استمرار العمل على تمزيق الواقع العربي، ليس بمستواه الفوقي وأنظمته فقط (وهذا المشروع تقدّم في رفع سقف التحالف المعلن بين بعض الدول العربية والعدو بما في ذلك جانبه العسكري المباشر) بل يتعدّى فعل الشرذمة ذلك ليطال شرائح المجتمع ونسيجه بفعل محاولة إضاعة مركز القضية العربية، فلسطين، لمصلحة التناقضات الأخرى ذات الطابع المذهبي والعرقي (وما يجري اليوم في العراق هو الرافعة الأساسية للمحاولات الأميركية المستمرة في هذا المجال).
ورابعها، استعادة سياسة الجزرة لترافق مقدمة العصا، في العلاقة مع الأنظمة والمؤسسات العربية، عبر محاولات مستمرة، تتأثر حكماً بموازين القوى المستجدة في محاولة لفك عُرى التحالف بين الأنظمة والقوى التي ما زالت «تعرقل» نجاح المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة، مستفيدة من وقائع الخلل في مشاريع العرقلة هذه بمستوياتها السياسية والاقتصادية...
أما خامسها، وهو الدرس الأكثر دلالة وخطورة، فإن الوظيفة التأسيسية والطبيعة العنصرية ـ الدينية للكيان الإسرائيلي، تدفعه أكثر مع النكسات والهزائم التي يتعرض لها باتجاه التشدّد والعنصرية، وكان طبيعياً في هذا المجال أن يرد على صمود لبنان وملحمة تموز بتقديم بديله العدواني المثلث الأضلاع لمواجهة الاهتزاز الخطير الذي تعرضت له وظيفة كيانه... هذا «الثالوث» المعبر عن اتجاه واضح لمحاولة مداواة «داء الهزيمة بدواء العدوان الجديد»، ولذلك بغض النظر عن البحث بالتوقيت وأحجياته، وعن الدخول في بازار التكهنات حول خلاف إدارة أوباما وقادة العدو حول بعض التفصيلات... فإن الكيان الإسرائيلي بكل مكوّناته وبشكل خاص بحكومته الراهنة لا يرى بديلاً عن الحرب في مداواة نتائج العدوان. ولذلك تأخر الوقت أو تنوعت جغرافيا العدوان، فإنه حتماً سمة ردة الفعل الصهيونية في مرحلة مقبلة...
[[[
ولأن الوقت لا يتسع لمناقشة جوانب التصدي العربي العام، للعدوانية المقررة والمجهولة التوقيت والمكان أو الأمكنة التي سيشملها... وهذا الواقع العربي العام وضمنه الفلسطيني بشكل خاص، لا يمكن وصفه إلا بالواقع المشجع على تسهيل عملية العدوان واحتمالات نجاحها... لأن المجال ضيق سوف نشير فقط الى الحالة اللبنانية الراهنة، خصوصاً أن لبنان وجنوبه بشكل خاص هو المحطة الرئيسية للعدوان ولاستهدافات الإدارة الأميركية...
إن لبنان اليوم وفي مواجهة هذه الاحتمالات الخطيرة (التي يتحدث عنها الجميع) لا يبدو مستعداً لمواجهة خطر هذه الاحتمالات...
فلبنان يعيش بحكومة تصريف أعمال منذ شهرين ونصف (وبكل الحالات لم تكن يوماً إلا حكومة تصريف أعمال) والأحوال المعيشية تتجه أكثر إلى التعقيد والتأزم من الكهرباء إلى تدهور قيمة الأجور إلى فلتان الأسعار خاصة في موضوع النفط الى غياب الرقابة في كل مجالات الحياة اليومية للمواطنين...
باختصار يمكن القول إن التحالف السياسي ـ الطبقي ـ الطائفي الحاكم استطاع تحويل مشروع الوطن اللبناني، إلى «اتحاد بلديات» متخاصمة وغير قابلة على العيش المشترك... إن لبنان يتحول الى نموذج يشابه الى حد كبير نموذج «السلطتين ـ البلديتين» في القطاع وغزة ولا ينقصه إلا جيش الاحتلال ولو أن هذا التشابه لم يصل (بحكم عوامل عديدة) الى درجة الاعلان بعد...
وحتى لا يظن أحد بأن تشكيل الحكومة سيلغي هذه الوقائع، نسارع للقول بأن هذه الوقائع بنيت في ظل النظام السياسي القائم وبفعله وفي ظل الحكومات المتعاقبة وبفعلها وبظل كاركاتور الديموقراطية التوافقية اللبنانية وبفعلها...
هذا الوضع السياسي والاقتصادي للبنان، يجعله أكثر هشاشة مما كان فيه الوضع في تموز 2006 (رغم خطورة الوضع حينها) وبالتالي مرة جديدة وبفعل النظام السياسي، نجد أنفسنا غير قادرين على تثمير أي انتصار يحققه شعبنا بمقاومته دائماً وبجيشه ومقاومته اليوم... والخوف اليوم ليس فقط عدم القدرة على التثمير بل أن نكون في وضع غير القادر على تأمين شروط الصمود والمقاومة....
[[[
ليست دعوة للتشاؤم، بل محاولة للقول قبل تشكيل الحكومة وبغض النظر عن تشكيلها بأن الوقت أصبح قاتلاً والأزمة أكبر وأخطر من أن يُمدّد لها وللنظام الذي أنتجها...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018