ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق: نظرة جديدة إلى لبنان ترعاها لجنة سياسية عليا (1)

دمشق: نظرة جديدة إلى لبنان ترعاها لجنة سياسية عليا (1)
نقولا ناصيف، الاخبار

لم تتلقَّ دمشق بارتياح تحرّكات بعض حلفائها ومواقف لهم أدلوا بها، أوحت أنها تريد من خلالهم توجيه رسائل سياسية إلى أفرقاء لبنانيين. وسارعت إلى إبلاغ هؤلاء عدم الخوض في أيّ موقف يتصل بعلاقتها بأيٍّ من أولئك الأفرقاء، قريبين أو بعيدين أو مبتعدين. وأرفقت ردّ فعلها بالتأكيد أنه لا رسائل بالواسطة أو سرّية ترسلها إلى فريق أو آخر، بل تخاطبه مباشرة.

تقاطع هذا التصرّف مع ردّ فعل مقابل عبّر عنه النائب وليد جنبلاط، عندما طلب من شخصية شيعية حليفة لسوريا كانت اتصالاته بها قد انقطعت مدّة طويلة، إبلاغ دمشق حذره من بعض ناقلي الرسائل، وأنه يفضّل عدم إيصالها بهذه الطريقة.

يكشف عن هذه المعطيات زوار لدمشق اطّلعوا عن قرب على المسار المتدرّج الذي تسلكه علاقتها بالزعيم الدرزي، وكان قد بدأ يتطور منذ اجتماع جنبلاط بالأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله في 18 حزيران، وهو الأول منذ حرب تموز 2006، ثم أعقبته في الأسبوع الأخير من تموز زيارة نصر الله لدمشق ولقاؤه الرئيس بشار الأسد، قبل أيام من إعلان جنبلاط انفصاله عن قوى 14 آذار في 2 آب. ومثّل هذان الاجتماعان، وخصوصاً لقاء 18 حزيران الذي طلب جنبلاط أن يقتصر عليه هو ونصر الله دون سواهما، مفتاح تحوّل الزعيم الدرزي عن حلفائه إلى خيار آخر، هو رغبته في استعادة اتصاله بسوريا ودعمه المقاومة، وتالياً بعث الروح في الصورة التي عرفها السوريون في جنبلاط قبل افتراقه عنهم في آب 2004، قبل أيام من التمديد للرئيس إميل لحود. بعد ذاك، راح الزعيم الدرزي يتحدّث عن خروجه من تحالفه مع دمشق، مستعيراً عبارة والده الراحل كمال جنبلاط عن خلافه معها، وهي أنها «السجن الكبير».


إلا أن لقاءي 18 حزيران ودمشق مثّلا مدخلاً إلى ضمانات تمكّن جنبلاط من ترسيخ أقدامه مجدّداً في الخيار القديم. ويبدو أن اجتماع الأسد ونصر الله كان المكان المثالي الذي أعاد صوغ علاقة جنبلاط بدمشق. إذ لا يسع أحداً الاعتقاد أنه أجرى بتهوّر ومجازفة غير مأمونة انتقالاً دقيقاً وصعباً من ضفة إلى أخرى، بلا ضمانات تطأ أولى مراحل إعادة بناء التعاون بين الطرفين، في ظلّ نظرة جديدة لكل منهما إلى الآخر حتّمتها التطورات والتحوّلات التي ضربت لبنان وسوريا في آن معاً في السنوات الأخيرة، وحملت كلّاً منهما، منذ أيار 2008، على التطلع بإيجابية وانفتاح على حوار جديد بين البلدين. بيد أن الأمر كان يتطلّب بداية توافقاً على الخيارات الرئيسية.

مذ واجهت دمشق تحدي القرار 1559 عام 2004، وقرار انسحاب جيشها من الأراضي اللبنانية عام 2005، رسمت لعلاقتها بلبنان دوراً جديداً دفع الأسد إلى حصر الملف اللبناني به وحده. ومنذ اعترف في خطاب 5 آذار 2005 ـــــ وهو يعلن قرار سحب جيشه من لبنان ـــــ بأخطاء ارتكبت في هذا البلد حمّل نظامه جزءاً منها، بدا واضحاً أنه يسعى إلى إطار جديد لعلاقات البلدين وفق أمر واقع جديد بدوره، هو أن لا وجود عسكرياً لسوريا في لبنان يضمن لها مصالحها، ولا عودة إلى الأسلوب الذي طبع علاقتها بلبنان بمنح الاستخبارات العسكرية دوراً سياسياً وأمنياً تجاوز نطاق إدارة علاقات طبيعية بين الجارين.

أفضت هذه المراجعة إلى قرار الأسد تأليف لجنة سياسية عليا تتولى درس السياسات الخارجية والخيارات الاستراتيجية لسوريا على مستوى المنطقة، وهي تواجه شبكة معقدة من التحالفات والخصومات والتدخلات تتصل بالعراق والاحتلال الأميركي له وبإيران وعلاقات سوريا بالغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة وفرنسا ـــــ وكانت حينذاك في أسوأ مراحلها ـــــ إلى الصراع العربي الإسرائيلي. كان لبنان، في ظلّ الوضع الجديد الذي يعيشه بعد القرار 1559، ثم بعد شباط 2005، أحد تلك الملفات البالغة الأهمية. ضمّت اللجنة السياسية العليا برئاسة الرئيس السوري كلاً من: نائب الرئيس فاروق الشرع، معاون نائب الرئيس اللواء محمد ناصيف، وزير الخارجية وليد المعلم، وزير الإعلام محسن بلال، رئيس شعبة الأمن العسكري اللواء عبد الفتاح قدسية الذي خلَفَ اللواء آصف شوكت، رئيس الإدارة العامة للمخابرات اللواء علي المملوك.

في جانب رئيسي من مهمة فريق العمل الرئاسي في الملف اللبناني الذي بات بتفاصيله في عهدة الرئيس، استعادة علاقة سوريا بلبنان وفق مقتضيات جديدة تعيد تنظيمها وتجنيبها الأخطاء، من غير أن تجعلها تتخلى عن حلفائها اللبنانيين، ولا عن سلاح المقاومة الذي تنظر إليه بأهمية استثنائية لإحداث توازن في الصراع مع إسرائيل. لكن فريق العمل أولى الاهتمام أيضاً في السنوات الأخيرة حتى مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة وانتخاب الرئيس ميشال سليمان، وانقلاب جنبلاط على قوى 14 آذار في الأيام المنصرمة، تبعاً لمعطيات منها:

1ـــــ لا عودة إلى ما قبل 2005، ولا عودة للجيش السوري إلى لبنان. لكن لا عودة أيضاً إلى بناء علاقات البلدين، وأخصّها السياسية، عبر أجهزة الاستخبارات.

2ـــــ ليس لسوريا حيال لبنان إلا توجيه رسائل مكشوفة ومباشرة، وإجراء حوار علني مع القيادات اللبنانية التي تلاقيها في خياراتها الإقليمية والاستراتيجية. وهو أمر يسقط فوراً أي محاولة للإيحاء بتوجيه رسائل عبر أي أحد.

3ـــــ تلمّست دمشق باكراً سعي الزعيم الدرزي إلى الانتقال من ضفة إلى أخرى، مع استرجاعه شعارات المقاومة والعلاقات المميّزة معها والخيار العربي وعدم المضي في المشروع الأميركي لمواجهة سوريا واستعادة العلاقة بها. فلم توحِ له مباشرة أو بالواسطة برغبتها في الحصول منه على تنازلات.


2009-08-15