ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري يقاوم تبعات فقدانه لـ«الأكثرية».. وعون يستثمرها

الحريري يقاوم تبعات فقدانه لـ«الأكثرية».. وعون يستثمرها

عماد مرمل، السفير 

بات واضحا أن محاولة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قد دخلت في المـأزق الذي كان قد بدأ يلوح في الأفق منذ فترة، ولكن الجميع كانوا يتفادون الاعتراف به، الى ان أصبح أمرا واقعا، مع الاخذ بعين الاعتبار ان أشكال هذا المأزق قد تعددت خلال الايام الخمسين التي مرت حتى الآن على تكليف سعد الحريري، لتستقر في نهاية المطاف على عقدة ظاهرية أعطيت اسم ميشال عون وعقدة مضمرة تحمل اسم وليد جنبلاط.

وقد جاء المؤتمر الصحافي لرئيس تكتل التغيير والاصلاح أمس ردا على الهجمات المنظمة التي تعرض لها مؤخرا، ليعطي الانطباع بأن العبور نحو الحكومة ما زال يتطلب سلوك طريق طويلة ووعرة، بعدما بدا ان الهوة بين عون والحريري هي ليست من النوع الذي يمكن ان تردمه دعوة الى الغداء تلقاها زعيم التيار الوطني الحر من الحريري بعد مرور ثمانية اسابيع على مباشرته في مساعيه لتشكيل الحكومة، هذا إذا سلمنا بأن العقبات التي تؤخر الولادة هي فعلا محلية الصنع، فيكف إذا كانت «بطانتها» إقليمية، كما يفترض من لا يصدق ان اسم جبران باسيل يستطيع ان يعطل تشكيل الحكومة، في حال كانت تحظى فعلا بما يكفي من قوة الدفع السعودية ـ السورية.

ولعل الجنرال نجح من خلال مؤتمره الصحافي في شن هجوم سياسي مضاد وعنيف على مختلف المحاور التي استخدمها خصومه لمحاصرته في زاوية «الصهر المعطل»، وذلك بتغطية نارية من مدفعيته الثقيلة التي صبت حممها على مختلف خطوط «الامداد السياسي» لفريق 14 آذار، استنادا الى إحداثيات «بنك الاهداف» البرتقالي.

ولئن كان الحريري قد تجنب الرد شخصيا على كلام عون وأصدر بيانا مدروسا، لاذ به الى الدستور، إلا ان ذلك لا يلغي حقيقة ان عوارض هجوم الجنرال ستظهر تباعا على قوى الاكثرية التي ستتخذ من طروحاته منصة لمواجهة جديدة معه، ستأخذ في طريقها ليس فقط الغداء الافتراضي بين عون والحريري بل أيضا احتمالات تأليف الحكومة قبل بداية شهر رمضان المبارك.

وربما كانت إطلالة عون أمس، بما احتوته من «فائض قوة»، تنطوي على إشارة ضمنية من قبله الى طي صفحة الانتخابات النيابية نهائيا والخروج من صدمتها، لا سيما ان نتائجها باتت بحكم المعلقة، إن لم تكن قد نسفت من أساسها، بعد ابتعاد النائب وليد جنبلاط عن فريق 14 آذار، الامر الذي جعل الكل متساوين في المجلس النيابي، بحيث ان أي فريق لم يعد يملك وحده أكثرية الـ65 صوتا، مع اتخاذ كتلة اللقاء الديموقراطي موقعا لها في الوسط، وكذلك الحال بالنسبة الى مجلس الوزراء حيث انشطرت صيغة الـ15ـ 10ـ 5 الى 12 للموالاة ـ 10للمعارضة ـ 5 لرئيس الجمهورية ـ 3 لجنبلاط، برغم محاولة الايحاء بأن اللقاء بين الحريري وجنبلاط قد نجح في ترميمها.

والمشكلة هنا، كما يرى البعض في المعارضة، ان الرئيس المكلف ما زال يتعاطى مع عون بمنطق انه رئيس الاكثرية النيابية الذي يملك ان يضع شروطا وفيتوات بالاستناد الى نتائج صناديق الاقتراع في 7 حزيران، ساعيا الى القفز فوق حقائق خطاب البوريفاج في 2 آب وانعكاساته على خارطة القوى، ومعتقدا ان ما يساعده في التمويه السياسي هو «الجسم اللبيس» للعماد عون، والذي يتيح تحميله مسؤولية التأخير في التأليف.

وبهذا المعنى، يعتبر خصوم الحريري ان ما يؤخر تأليف الحكومة ليس عقدة عون بل عقدة الحريري المتمثلة من جهة في رفضه القاطع لمطالب الجنرال التي تكتسب المشروعية، ومن جهة أخرى في عدم قدرته حتى الآن على التكيف مع حقيقة انه فقد الاكثرية على الطريق بين التكليف والتأليف، كما يتبين من حسبة بسيطة لتوزع القوى في مجلس النواب بعد انعطافة جنبلاط، علما ان العديد من الشخصيات والقوى في 14 آذار كانت قد أقرت بأن الاكثرية لم تعد كذلك، وهذا تحول إستراتيجي يرتب أثمانا سياسية لا بد للرئيس المكلف من ان يدفعها من كيسه، وما يحتاج اليه على هذا الصعيد هو التعايش مع المعطيات المستجدة، لا تجاهلها وكأن شيئا لم يكن.

وارتكازا على المعطيات ذاتها، يتصرف عون مفترضا ان مواقعه السياسية قد تحسنت الى الحد الذي يتيح له ان يتمسك بمطالبه وأن يشترط الدخول الى الحكومة على قياسه وليس على القياس الذي يُفصل له، لا سيما ان الحريري لم يعد بإمكانه تشكيل حكومة أكثرية من لون واحد في أعقاب انتفاضة زعيم المختارة على 14 آذار، وهذا يعني ان الرئيس المكلف فقد إحدى اوراق الضغط المعنوي على المعارضة.

وتؤكد المعلومات ان ما طرحه عون في مؤتمره الصحافي لا يندرج في إطار رفع السقف التفاوضي او المناورة التكتيكية، بل هو يعني ما يقول ويتمسك به، سواء لجهة الاصرار على توزير باسيل او لجهة المطالبة بحقيبة سيادية الى جانب وزارة الاتصالات، على قاعدة قناعته بأنه يستحق ما يريده، إلا إذا نجحت المساومات اللاحقة في ابتكار مقايضة توفق بين شروط الجنرال وحسابات الرئيس المكلف.

ويبدو انه كان قد تناهى الى مسامع عون خلال الايام الماضية ما مفاده ان المحيطين بالحريري نصحوه برأيين حيال كيفية التعامل مع ملف شروط الرابية. أصحاب الرأي الأول اقترحوا على الرئيس المكلف القبول بتوزير جبران باسيل «وعندها سيتساهل معك الجنرال في مسألة الحقائب وسيقبل ما ستعرضه عليه»، بينما رأى اصحاب الطرح الآخر ان بالامكان إرضاء عون من خلال منحه حقيبة الاتصالات، «وحينها سيتخلى عن باسيل الذي يرفع سعره ليقبض ثمن التنازل عنه لاحقا وتحقيق مكاسب في مكان آخر».

إزاء هذا المناخ، قرر عون ـ حسب المعلومات ـ ان يكشف في مؤتمر صحافي علني عن فحوى ما كان يطرحه في الاتصالات خلف الكواليس، وهو تقصد بذلك ان يبعث برسالة الى أصحاب الشأن يؤكد فيها ان ما يطالب به خلال المشاورات البعيدة عن الاضواء هو جدي وليس للتكتيك التفاوضي، «وبالتالي فإن باسيل ثابت في معادلتي وكذلك حقيبة الاتصالات والوزارة السيادية».

وحسب شخصية مسيحية مخضرمة ومقربة من الجنرال، فإن الحريري أظهر حتى الآن انه لا يجيد كثيرا تقنيات لعبة تشكيل الحكومة، مشيرة الى انه كان ينبغي بعد مرور كل هذا الوقت على تكليفه ان يضع صيغة حكومية عملية يعرضها على رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، بما يساهم في تزخيم مشاوراته انطلاقا من مسودة وزارية، بدلا من ان يظل يسبح في الهواء. وتلفت هذه الشخصية الانتباه الى ان السعودية قامت بواجبها في تأمين مظلة داخلية وإقليمية لتكليف الحريري ومن ثم ساعدته في انتاج المعادلة الرقمية للحكومة، وعليه ان يستكمل الباقي بنفسه.


2009-08-18