ارشيف من :أخبار لبنانية

دمشق: ما تغيّر ليس لبنان، بل المعادلة الإقليمية حوله (2)

دمشق: ما تغيّر ليس لبنان، بل المعادلة الإقليمية حوله (2)
نقولا ناصيف، الاخبار

تعكس وجهة نظر دمشق إلى الوضع اللبناني قراءتها تطورات الأشهر الأخيرة. وتقع هذه النظرة في صلب مهمة اللجنة السياسية العليا برئاسة الرئيس بشّار الأسد مذ باشرت عملها قبل عامين. كانت قد توصّلت إلى أكثر من خلاصة في مقاربتها ما يجري في لبنان، وتأثره بالتحوّلات الإقليمية. وهو ما تبرزه معطيات من بينها:

1 ـــــ بعد الانتخابات النيابية في 7 حزيران الماضي، لاحظت دمشق أن لا تطور مهماً على صعيد التوازن الداخلي في لبنان، رغم فوز قوى 14 آذار بالغالبية النيابية. في تقديرها لم تربح الموالاة، ولا خسرت المعارضة، لأن كلاً منهما حافظ على موقعه في توازن القوى الداخلي. ناهيك بأن فوز الأكثرية الجديدة لم يضعف سلاح حزب الله الذي لا يزال يمثّل الكفة المرجّحة للخيارات الاستراتيجية في السياسة الخارجية للبنان في مواجهة إسرائيل، إلى ذلك تيقّنت الغالبية الجديدة من أنه لا يسعها أن تحكم لبنان بمفردها، الأمر الذي بيّنه ذهاب الفريقين إلى حكومة وحدة وطنية. وهو جوهر ما قالت به سوريا قبل الانتخابات النيابية، وأعادت تأكيده غداتها: لا بديل من حكومة الوحدة الوطنية والتوافق الداخلي. ولا يعني ذلك في السلطة الإجرائية إلا تمثيلاً متوازناً للرابح والخاسر في الانتخابات. ولأن لا تغيير حاسماً طرأ، فبدت نتائج انتخابات 2009 مطابقة إلى حد بعيد لنتائج انتخابات 2005، تنبّهت دمشق إلى أن المعادلة الإقليمية حول لبنان هي التي تغيّرت. لم تعد السعودية وفرنسا والولايات المتحدة في الموقع الذي كانت عليه حيال لبنان وسوريا في آن واحد، وراحت تعترف بالمصالح السورية في هذا البلد وأهمية دور دمشق كعامل استقرار فيه.


2 ـــــ تعتدّ سوريا بتاريخ 19 كانون الثاني 2009، وهو الموعد الذي انعقدت فيه القمّة الاقتصادية في الكويت، والذي تصفه بأحد أهم مداخل التحوّلات الإقليمية حيالها، عندما صالح العاهل السعودي الملك عبد الله الرئيس السوري، وأفضى إليه بمفتاح لغز المصالحة: «يا أخ بشّار أريد منك المبادرة العربية. أريد المحافظة عليها والاستمرار فيها». قبل أيام كان الأسد في قمّة غير رسمية بالدوحة في 16 كانون الثاني، نعى المبادرة العربية للسلام ودعا إلى اعتبارها في حكم الملغاة. كان الوجه الآخر للاتفاق على إبقاء المبادرة التي طرحها الملك في قمّة بيروت آذار 2002 ـــــ وهو لمّا يزل ولياً للعهد ـــــ تفاهمهما الضمني على أن كل ما عداها يمكن التفاهم حوله، بما في ذلك خلافهما حول النفوذ في لبنان. على أن تظلّ المبادرة سقف الإجماع العربي على التسوية السلمية. بذلك جعلت المبادرة من الرياض مركز جذب جهود السلام في المنطقة، ومرتكز مصالحة سعودية ـــــ سورية تبرد أو تسخن في ضوء الملفات التي يقاربها البلدان، من غير أن تتحوّل أزمة بينهما.

والواقع أن الأزمة الحكومية اللبنانية لا تمثّل، حتى الآن على الأقل، وجهاً لخلاف سعودي ـــــ سوري على معالجتها، مقدار ما تعكس جمود الحوار بين الطرفين، رغم أن الرئيس المكلف سعد الحريري، بعد ساعات من إعلان النائب وليد جنبلاط انفصاله عن قوى 14 آذار، سارع في الذهاب إلى المغرب للقاء الملك قبل أن يعود إلى نيس لتمضية إجازة عائلية.

3 ـــــ تنظر دمشق إلى الوضع اللبناني من خلال ثلاثة أفرقاء تتفاوت أدوارهم وأهمية مواقعهم لديها:

ـــــ تريد استيعاب الحريري من الباب السعودي. وهكذا رحبت بتكليفه ترؤّس حكومة الوحدة الوطنية بعدما تأكدت من أن الضمانات المتصلة بدوره وموقعه في توازن القوى الداخلي، تقع تحت سقف تطمينات الرياض، السبّاقة إلى سلسلة اقتراحات وجدتها دمشق بين نهاية حزيران وبداية تموز إيجابية ومنفتحة على تعزيز العلاقات السورية ـــــ اللبنانية، وتوطئة لإعادة تطبيع علاقة دمشق بالحريري، بدءاً باقتراح ذهابه مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس المجلس نبيه برّي إلى دمشق، ثم اقتراح ذهاب رؤساء الكتل النيابية الكبيرة إليها للمصالحة اللبنانية ـــــ اللبنانية والمصالحة مع سوريا، وانتهاء بقاعدة 15 + 10 + 5 لتأليف الحكومة، التي أعطت المعارضة ما ضمرته دمشق للموالاة، وهو انتزاعها منها الثلث + 1، علنياً كان أو مختبئاً في معطف رئيس الجمهورية.

ـــــ تحييد جنبلاط عن قوى 14 آذار والعمل على إعادته إلى الحظيرة التي تسميها دمشق «الخيار العربي». وفي ظنّها أن جانباً رئيسياً من أزمة الزعيم الدرزي مع سوريا وانقلابه على الذات، مروراً بالانقلاب على الحلفاء، بالإضافة إلى حاجته لحماية طائفته، إخفاقه في جرّ دروز سوريا إلى الخيارات السياسية التي قادها على رأس قوى 14 آذار منذ عام 2005، وأخصّها في مواجهة القيادة السورية، مع معرفته ـــــ والتقويم لدمشق ـــــ أن هذه تظلّ وحدها قناة الاتصال بدروز إسرائيل ولا سيما منهم غير المتعاونين مع الدولة العبرية. وهم في واقع الحال إلى جانب سوريا وليس إلى جانبه، بينما يودّ جنبلاط إعادة وصل دروز سوريا بدروز لبنان.

لكن ما بعث على ارتياح القيادة السورية هو أنها لم تطلب من جنبلاط سلفاً تنازلات لقاء انفتاحها مجدّداً عليه وإعادة إحياء العلاقة معه، بل لمست تحوّله مرة جديدة إلى ما تعدّه شروط التحالف وإياها، وهي التمسّك بسلاح المقاومة والعداء لإسرائيل والعلاقات المميّزة مع سوريا.
ـــــ محاصرة رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع ضمن توازن القوى السياسي الداخلي، وتثبيت نظرتها إليه على أساس أنه لا يزال يمثّل، بنشاطاته وبالسياسة التي ينتهجها، بقايا تأثير إسرائيل في لبنان وتدخّلها في شؤونه.


2009-08-18