ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان.. هل هو مشروع ثقافي؟ الثقافة الجديدة وأقنعة الحداثة

لبنان.. هل هو مشروع ثقافي؟ الثقافة الجديدة وأقنعة الحداثة

صحيفة "السفير"- عبد الحليم فضل الله

في خاتمة النص الثقافي لتقرير «نحو دولة المواطن»، دعوة لحداثة سهلة تعول على زخم الحياة اليومية وخصوصياتها وليس على فعالية المجتمع وتطور العلاقات في داخله. هذا مرتبط إلى حد ما بحنين إلى الماضي الذي احتضن خرافة الفرادة، وأوحى لقسم من اللبنانيين أن التمايز يبنى على مظاهر العيش لا على الوعي الجماعي، وعلى الخيارات العرضية لا على التجارب التاريخية المتراكمة والدؤوبة. على أن الخصوصية اللبنانية التي شدّت من أزرها الحروب والنزاعات، لم تكن سوى حصيلة تمازج قسري وانفتاح إلزامي أملته مقتضيات الوفرة والرفاه والاستقرار، فهي بالتالي منتج اقتصادي وسياسي وليس سلعة ثقافية البتة.

والحديث عن حل ثقافي للأزمة على ما جاء في النص، يفتح الباب بقصد أو بغير قصد، أمام دعاوى التمايز ووهم الثقافة الغالبة، تلك التي أطلت برأسها في الجدالات الراهنة، فسعت إلى حصر الروح المدنية في فريق دون آخر، ثم أعادت تعريف الأزمة على أنها نزاع بين ثقافات وليس بين مجموعات سياسية أو حتى اجتماعية متضاربة الأهداف والمصالح، ولم تتورع عن إظهار منطقها المستتر في خطاب سياسي تجاوز باطنيته المعهودة ليلامس حد العنصرية والافتئات.

والكاتب الذي أحسن صنعاً في وصف أحوال المجتمع اللبناني وتحولاته، لم يبذل ما ينبغي من جهد لنقد فكرة الانفتاح الثقافي وتحليل العلاقة بينها وبين الانفتاح السياسي والاجتماعي. والصلة بين الشأنين أمر يستحق المراجعة، فالفريق الذي حرص على التغني بطرق عيش يومي ليبرالية الطابع اظهر في جانب آخر جنوحاً محافظاً، وتعلقاً لا هوادة فيه بتلابيب النظام وإيقوناته. فوراء قشرة الحداثة كان هرم ضخم من التزمت الثقافي والسياسي والاقتصادي ضارب في الجذور. فلا أثر يذكر لميراث طويل من الأفكار الإصلاحية النابتة في تربة القرن الماضي، ولا اعتراف بخطورة المعضلة الطائفية، ولا بالتنمية المتوازنة كإحدى ضمانات الوحدة الوطنية، ولا بضرورة الوصول إلى قانون انتخاب عصري لإبطاء تداعي النظام السياسي فضلاً عن تقويم اعوجاجه وسدّ ثقوبه. لقد سطت العناصر اليمينية الموروثة منها والمحدثة على بقايا مطالب إصلاحية، فاختل التوازن الداخلي للنظام وصار مقدراً أن تنتهي موجات الإصلاح بإحباط يعبر عن نفسه بنزوح جماعي من الدولة إلى القبيلة ومن القبيلة إلى الفردانية والعزلة.

وتلك مفارقة لم يفلح مقال «لبنان كمشروع ثقافي» في التقاطها.. التحرر البراني الذي يبتلع في أعماقه نزعة «رجعية» ثقيلة الوطأة، والليبرالية التي تتغذى من لبن الطائفية ثم تتخفى خلف أقنعة الحداثة. وبينما كان حاملو لواء الثقافة الجديدة يتقلبون في نعيم المجتمعات المغلقة، يفعلون هناك ما يحلو لهم بمأمن عن العيون، كان الطلب على الانفتاح والاختلاط الثقافي والاجتماعي يأتي من مكان غير متوقع، من أولئك الذين أُخذ عليهم قلة الألوان في تظاهرتهم، وكان جمهورهم محل إدانة وشجب بزعم انه حديدي الهيئة والرأي. هذا الجمهور الذي بدا وكأنه خرج من التاريخ ليناوئ ما قيل إنها ثقافة لبنانية منفتحة موروثة، كان مشغولاً بالبحث عن الاعتراف المتبادل، ومعنياً أكثر من غيره بإقامة مساحة مشتركة وفضاءً زاخراً بالعناصر المتباينة والمتصالحة في آن، بل كان أقل طلباً للغلبة الاجتماعية والثقافية ومتقشفاً في الوعظ بنمط معيشته الخاص على عكس ما فعله مخاصموه.

وما يبشر به نص عباس بيضون في خاتمته، ليس بأي حال ثقافة مشتركة، بل ثقافة مختلفة وهشة لا تحمل في طياتها موروثات الأصل، ولا تمثّل نمواً طبيعياً يعول عليه في استبدال ثقافة بثقافة، واجتماع باجتماع، ولا يتوقع لهذه الثقافة الصمود أمام الغواية عندما تكشف الطوائف عن مفاتنها ومباذلها. قبل أربعة أعوام ونيّف قيل إن مشهد الرابع عشر من آذار هو الضالة المنشودة، والثقافة الجامعة التي تتفوق على كل الثقافات، لكن في لهيب الأزمة، بهت ما اعتبر انه لون وطني جديد، وتناسلت الكائنات الطائفية عاماً بعد عام، لنكتشف كم لدى الطوائف من الحنكة والدراية لتتلاعب بالظواهر الفتية وبالثقافات الشبابية الصاعدة، فتعمل على احتوائها تارة وتسوقها إلى سوق المزايدة في أمر الحداثة تارة أخرى. والمزايدة أمر مألوف في مجتمع منقسم على نفسه كلبنان، تتنافس مكوناته على اقتناص الشرعيات الجاهزة من خلال الفوز في التحديات الهينة والسباقات السهلة، كما في المباهاة بقيم الاستهلاك السخية التي تزين حياة يومية خالية من المعنى وحافلة بالسذاجة، أو في إظهار تفوقها في لعبة الوساطة بين الشرق والغرب، فلا تكون في هذه الضفة أو تلك، بل جسر عبور.. حتى من دون عابرين!

من يراجع الخطاب الداخلي المحتدم في السنوات الأربع الأخيرة، فسيجد خلطاً مريراً ما بين السياسة والثقافة. المقاومة مثلاً كانت محل شجب مزدوج، سياسياً لأنها رفضت التكيّف مع الأوضاع الجديدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وثقافياً لأنها لم تكن جزءاً من ذلك الجسر الوهمي، بل انتمت إلى الضفة التي ينبغي الانتماء إليها. ومن سخرية القدر أن قاموساً طويلاً من المفاهيم ذات الرنين الثقافي جرى استعماله، لصرف النظر عن أن المشكلة في لبنان هي بكل بساطة مشكلة سياسية وإستراتيجية، وكم هو صعب اليوم إقناع الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار أنها طرف في معركة داخلية وإقليمية، لا جزء من حرب مجيدة، تاريخية وفاصلة، بين الثقافات والحضارات!

ولهذا فإن تجاهل التقرير للمقاومة أثناء تلمسه تضاريس الثقافة اللبنانية وتغيراتها أمر مريب، وعلامة انحياز غير مبررة. كان حرياً بالنص أن يجد لها مكاناً ما حتى لو تم ذلك من موقع المخالف والناقد. فهي ميراث مشترك لا يمت بصلة إلى طائفة أو فئة بعينها، ولا يقلل لونها الإسلامي والثوري وشيعيتها الراهنة من الجاذبية التي تتحلى بها وتتجاوز هيئتها الاجتماعية الخاصة، فلديها استعداد كامن وأصلي للوثوب مجدداً فوق الحواجز، لتثبت في لحظة ما أنها مشهد واحد بآفاق متعددة، ومظلة مناسبة لاحتضان التنوع. فهي سياسة وثقافة في الوقت نفسه، نزعة ثورية لكنها تستوطن جسداً اجتماعياً حياً استطاع التعايش معها واستطاعت هي الاندماج فيه،.. لديها حقلها الرمزي الخاص، لكنه لا ينافس الحقول اللبنانية ويفتح لها طرقاً للمرور أو الاندماج أو التوطّن. هنا المساحة المشتركة طائفية وغير طائفية، صلبة وغير متصلبة، بوسعها تحطيم الجدران لكن دون تدمير الهيكل، وهذا تمرين ناجح على استثمار التعدد والاختلاف في مشروع أعلى تتمازج فيه العناصر دون أن تندثر، وهو أيضاً إشارة إلى أنّ الخروج من هيمنة الطوائف لا يكون بتبديدها أو إبادتها، بل بالعمل على نقلها خطوة إلى الإمام في سلم السياسة، وزجها في سبيل هدف عام ومن اجل غاية لا تنحصر بواحدة منها دون غيرها.

ويمكن النسج على هذا المنوال في القضايا الوطنية الأخرى، فبشيء من الدهاء الحميد يمكن وضع حد لاحتكار الجماعات الطائفية لفضاء المواطنة دون الاصطدام بأي من هذه الجماعات. والسؤال الصحيح هو كيف يمكن توريط الطوائف في قضية جامعة، أو كيف يمكن تحويلها من كيانات ثقافية مكتفية بنفسها إلى كيانات سياسية قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بحسب الغايات والأحوال والمصالح. فحل معضلة انقسام الطوائف لا يكون بإنكارها وسحب الاعتراف بها، بل بوضعها في سياق بناء، وحثها على إنتاج بدائلها بنفسها، لتعمد بفرح على استيلاد السياسة من رحمها كما كانت المقاومة مولوداً من طائفة دون أن تكون مولوداً طائفياً.

لعل النص يريد شيئاً آخر، إذ هو يخضع لما يعتبره علاقة جدلية وثابتة بين الصيغة وبين الهوية، بين النظام وبين المواطنة. هكذا تغدو الدائرة مغلقة على نفسها، وتصبح الثقافة الطائفية لصيقة بالاستقرار. الإصلاح بهذا المعنى هو مغامرة من المفيد تجنبها، وأي محاولة لتطوير الصيغة تشكل مساساً بالهوية من شأنها الإضرار بالمواطنة. هل هي دعوة لإبطاء سرعة التقدم في طريق الحداثة، لتتناسب مع سرعة الطوائف، أم هو قبول بالأمر الواقع صيانة للهوية والوطن، بانتظار أن تنمو تلك الثقافة الجديدة المنسوجة من التفاصيل اليومية لتبتلع الطوائف نفسها! ولهذا ربما، يبدي تقرير «نحو دولة المواطن» في مكان آخر يأسه من إمكانية الفصل بين النظام والصيغة، بل إن الحروب بحسبه كانت استفتاءً دموياً لتغيير النظام دون كسر الصيغة، مع العلم أنّ الصيغة هي إلى حد كبير نتيجة توافق داخلي فيما النظام هو حصيلة توازنات الخارج، والحروب اللبنانية بالتالي هي حرب على النظام أكثر منها حرب على الصيغة.

لبنان مشروع يصعب توصيفه، هو فوق السياسة من ناحية ودون الثقافة من ناحية أخرى، المقاومة مثال على الأول والطوائف المنغلقة على نفسها مثال على الثاني، الرخاوة والافتقار إلى بنيان سياسي قوي سمح للثقافات الأولية بالتجول على غير هدى، فتتصادم أو تتخالط بفوضى عارمة، لينتج عنها ظواهر عابرة تبدو كأنها إرهاصات حداثة (التعايش والتعدد الثقافي والمظاهرات الملونة وغيرها..)، وتلك ظواهر لا يمكن الوثوق بدلالاتها، لأنها لم تدخل بعد مختبر الدولة ولم تتعرض لامتحان السياسة حتى الآن.

هناك مجال واسع بالطبع للثناء على التجربة اللبنانية والثقافة السياسية فيه، واعتبارها ميزة في بحر من الطغيان، لكن المبالغة في ذلك أمر ينبغي التوقف عنده. ربما كان صحيحاً في أي مكان من العالم أن الفوضى أكثر إبداعا من الاستبداد، لكن ذلك لا يصح بالقدر نفسه على لبنان، ففوضانا لم تكن خلاقة إلا بمقدار ما يتطلبه الحفاظ على الوجود، ونجاحاتنا أكثر ما ترتبط بغريزة البقاء، فيما كان الإخفاق مصير ما كان يتطلب إرادة واعية، و التحدي الراهن هو في صوغ تلك المعادلة التي تجمع في آن بين الوعي وبين اللاوعي بين الثقافة وبين السياسية، وعند ذلك فقط تغدو الصيغة متممة للهوية ويصبح النظام شرطا لاستقرار الوطن واكتمال المواطنة. 

2009-08-19