ارشيف من :أخبار لبنانية
اطلالة شهر رمضان نعم الضيف ونعم المضيف
البقاع ـ عصام البستاني
ها هي الايام تنقضي متسارعة تحث الخطى لملاقاة الضيف الكريم , شهر الفيوضات الالهية ولذيذ المناجاة والدعاء وعظيم الاجر والثواب , فتعود بي الذاكرة الى رمضان الطفولة ورمضان الضيعة الذي كثيرا ما يتحسر عليه الاهل ولو اني عشت بعضا منه في طفولتي حينما كان يحثني ابي وامي على الصيام لأحظى بجائزتي خلف الباب مساء وعلى ابعد تقدير في نهاية الشهر , ولو اني كنت اغافلهم لاتسلل الى المطبخ ملتهما بضع لقيمات ورشفة من ماء ثم امسح فمي واعود ممسكا عن المشتهيات علني احظى بجائزتي , رمضان الضيعة ورمضان على الرغم من وحدته في كل الامكنة الا ان لرمضان الضيعة وقعه اذا ما التقى مع الطفولة والذكريات في الازقة مع رمضان الحكايا والعائلة والجمعة واللقاء ومائدة الاهل العامرة فضلا عن الاطايب من الطعام مما تيسر بالاحبة وبالقلوب المتلئة محبة وايمانا ومتطهرة من فيوضات الرحمة الالهية في هذا الشهر الكريم , ما هي الا اوقات قليلة ونباشر رصد هلال رمضان في البقاع من أي بقعة مرتفعة علنا نكحل اعيننا بمراه على اقتاب صنين .
لشهر رمضان في البقاع نكهة خاصة وقد لا تختلف عن نكهته في كافة المناطق التي يقطنها مسلمون يقومون بواجب ديني وعقائدي الا ان منطقة البقاع لها في كل مناسبة خصوصيات تتعلق بها وبالمناسبة وقد لا يشاركها فيها احد اللهم الا من اقتبس منها , فما بين الماضي والحاضر صراع قاس لم تبرز الغلبة فيه لاي طرف حتى الان فرمضان البقاع الحقيقي الذي كان ينتظره الاهل بفارغ الصبر مع الاطفال والكل بشوق , ربما انحسر او ضاع في بعض القرى او في اغلبها في غمرة الواقع الاقتصادي الضيق والضغوطات الحياتية والاجتماعية .
ورمضان البقاع وضياعه وقراه كان موعدا لجمع شمل العائلات على موائد افطاره العامرة والسحور المتواضع ومهما كانت تلك الاطعمة المتوفرة متواضعة او بسيطة الا ان دفء الحب والعاطفة والعائلة والعافية كانت تطيب ذلك الطعام بطيبتها وتلونه بلونها حتى ان هذا الشهر كان وما زال يفيض ببركاته على الاحياء والاموات فالكل مذكور فيه .
بالواقع لعل شهر رمضان المبارك في البقاع هو من الضيوف اصحاب المقامات العالية الذي ينتظره الجميع ويستعدون له ويتحدثون عن قدومه قبل شهرين وتبدا الزينة بالانتشار وتزدهي المساجد والجوامع بابهى الحلل فشهر الله قادم والناس ضيوف الله ومكان الاستقبال هو بيت الله ( المسجد) , ويقوم بعض المهتمين والمعول عليهم بالاستهلال من على شرفات المآذن وأعلى سطوح الابنية وان لم يتمكنوا من الرؤية انتظروا الشياع فتصدح حينها المآذن بالابتهالات وايات القران كما تنظم في بعض القرى مسيرات شعبية او كشفية تتقدمها فرق موسيقية .
لسنوات خلت كانت لا تخلو بلدة من قرى البقاع من المسحراتي الذي يجول احياءها ويقرع ابواب البيوت وينادي بصوته الرخيم ( يا نايم وحد الدايم , يا نايم وحد الله , قوموا على سحوركم اجا رمضان يزوركم , وغيرها من الكلمات المنمقة المختصة بالحال ) ويترافق ذلك مع قرع على طبلة صغيرة او وعاء من النحاس , ومنذ اول صبيحة تتوقف الصبحيات وارتشاف القهوة وتتحول البرامج الى عبادية من صلاة واجبة ومستحبة وادعية وصلة الأرحام وزيارة المرضى ومساعدة للمحتاجين ولو قدر الاستطاعة .
اما اعمال النساء فتزدهر في هذا الشهر وتبرز فنون الطبخ والاعدادات لموائد الافطار التي غالبا ماتكون متنوعة حيث كانت وما زالت بقدر معين تحصل ان يوزع كل من الجيران صحنا من طعامه على جيرانه الذين يبادلونه من طعامهم فتصبح الاصناف المتواجدة في كل البيوت موجودة في كل بيوت الحي اضافة الى انواع الحلوى .
وتعمر الموائد في هذا الشهر بالوجبة الاساسية (الفتوش والشورباء المختلفة ) والفتوش هو اكلة مؤلفة من مجموعة كبيرة من اصناف الخضار التي تزيد اوتنقص حسب حالة الناس ويضاف اليها البصل والحامض والسماق والبهارات الخاصة وهي اساسية في شهر رمضان المبارك لاحتوائها على الكثير من المغذيات اضافة الى غناها بالالياف وتزخر هذه الموائد بالاصناف المتغيرة في كل يوم والغنية بالبروتين والتي غالبا ما تدخل فيها اللحوم الحمراء والبيضاء من دجاج واسماك ونذكر من هذه الأصناف ( الإوزي , المناسف , اليخاني, السمكة الحرة , المحاشي, وغيرها ) اما السحور فطعامة من حواضر البيت لبن ولبنة وجبن وزعتر وزبدة والكشك المغلي بالقورما وزيتون .
ومابين كل هذا يبقى الاصل هو محاولة الاستفادة من كل ساعة في هذا الشهر بالعبادات التي غالبا ماتكون في المسجد من قراءة القران الى الادعية المختلفة والتي تليها زيارات للاقارب لاتكون طويلة اذا كان من يقوم بها لديه عمل اما اذا كان غير مرتبط بدوام فالسهرات صباحية والنوم في النهار ما دام النهار طويل والنوم في هذا الشهر ايضا عبادة . فاهلا بك يا شهر الله حللت اهلا ووطئت سهلا فالى ايامك المباركات يحن اهل البقاع ومن المتطلبات والغلاء المتوقع والذي بدات بوادره خصوصا في اللحوم الناس تئن .
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018