ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يسير الاتحاد الأوروبي على خطى الجامعة العربية ؟
دأب كثيرون من الذين يتطلعون الى توثيق العلاقات بين الدول العربية وتنمية النظام الاقليمي العربي على المقارنة بين الاتحاد الأوروبي وبين جامعة الدول العربية. فالاتحاد الأوروبي تحول في أذهانهم وأذهان المعنيين بمسألة التكتلات الاقليمية الى عنوان ناجح لهذه المشاريع ونموذج يقتدى لمن يرغب في تحقيقها. بالمقارنة، فإن جامعة الدول العربية اصبحت رمزاً لفشل العرب في تحقيق أي شكل من أشكال الوحدة والتعاون والتنسيق بين الدول العربية.
ولا ريب أن هذه المقارنة تنطوي على قدر عال من الصواب والدقة. فالأوروبيون نجحوا في بناء السوق الأوروبية المشتركة حيث تنساب التجارة الأوروبية بين دول الاتحاد من دون أية معوقات وعقبات. ورغم كافة التوقعات المتشائمة حول فشل مشروع الوحدة النقدية الأوروبية فإن “اليورو” أصبح اليوم منافسا متصاعد الأهمية للدولار في الأسواق العالمية. ويتنقل الأوروبيون، كما تنساب البضائع، بين الدول دون حاجة الى تأشيرات ومن دون تعقيدات تنتظرهم على الحدود. أما الدول العربية التي أعلنت قيام السوق العربية المشتركة فإنها لم تتمكن حتى الآن من اجتياز عتبة “منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى” للوصول الى السوق، ولا استطاعت إزاحة العقبات الكثيرة التي تعرقل انسياب التجارة العربية البينية.
هذه المقارنات بين نجاح الاتحاد الأوروبي وفشل النظام الاقليمي العربي باتت أمراً شائعاً في الكتابات عن مشاريع الأقلمة في العالم وخاصة في المنطقة العربية. إلا أن ما آل اليه أمر الاتحاد الأوروبي في الفترة الأخيرة يجعل المرء يعتقد بأن بعض أعراض الجامعة العربية من تفكك وضعف الفاعلية وتراجع باتت تهدد الاتحاد الأوروبي. وهكذا، ففي ما كان من المعتاد أن تتحدث الدراسات والكتابات عن مشاريع الاندماج الأوروبي بلهجة التفاؤل وتعد بتطور القارة الى “ولايات متحدة أوروبية”، أصبح من المألوف أن يقرأ المرء كتابات كثيرة تقارن بين مصير يوغسلافيا والاتحاد السوفييتي، من جهة، ومستقبل الاتحاد الأوروبي، من جهة اخرى.
يقدم أصحاب هذه المقارنات الأخيرة أدلة متعددة على صواب وجهة نظرهم منها نتائج الاستفتاءات التي نظمت في الدول الأوروبية على مشروع معاهدة لشبونة، حيث رفض الفرنسيون والهولنديون والايرلنديون المشروع في الدورات الاستفتائية الاولى. كذلك يقدم أصحاب هذه المقارنات المفارقة بين المعاهدة التي تحث على إنشاء “وزارة خارجية أوروبية”، من جهة، وعلى عجز الاتحاد، من جهة اخرى، على اتخاذ مواقف موحدة او مشتركة، تجاه القضايا الدولية المهمة. ويشار هنا الى الاختلاف الذي ظهر علناً بين موقف الرئيس التشيكي للاتحاد وبين موقف المفوضية الأوروبية. فالمفوضية الأوروبية أعلنت بلسان بنيتا فريرو- فالدنر، المفوضة الأوروبية للعلاقات الخارجية والسياسية الأوروبية للجوار، أن الاتحاد يربط بين تطوير علاقاته مع “إسرائيل” وبين السياسة التي يتبعها “الاسرائيليون” في الأراضي العربية المحتلة، وأشارت بصورة خاصة الى البناء الاستيطاني “الاسرائيلي” الذي يعرقل “عملية السلام في الشرق الاوسط” الرئيس التشيكي المؤيد ل”اسرائيل”، أعلن انه ليس هناك من علاقة بين الاثنين وانه من واجب الاتحاد أن يمضي في تطوير علاقاته ب”اسرائيل” سواء اوقفت اعمالها الاستيطانية أم لا.
وإذ تتعدد الادلة والشواهد على التراجع في تماسك الاتحاد الأوروبي يسعى بعض المعنيين بقضايا الأقلمة والتعاون الاقليمي الى التفتيش عن أسباب هذا التراجع. يجد البعض اسباب التراجع الأوروبي في سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. فالسبب الأول لقيام السوق الأوروبية المشتركة كان خطر الاجتياح الشيوعي الذي هدد القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. مع زوال هذا الخطر، لم يعد هناك من مبررات استراتيجية وتاريخية لاستمرار “الوحدة الأوروبية”.
هذا صحيح. الحافز المباشر الى توحد الأوروبيين كان الخوف من الخطر الشيوعي، ولكن مع مضي الوقت ومع تغير الأحوال أصبح الحافز الى الاتحاد هو المكاسب والمنافع الاقتصادية والسياسية الكبرى التي حققها الاتحاد لدوله وللقارة، فما هو الموجب للتراجع عن هذه المكاسب؟ وما هي العوامل التي تضعف تماسك الاتحاد الأوروبي حالياً؟
يعيد بعض علماء العلاقات الدولية المعنيين بالاندماج الاقليمي درجة تماسك وفاعلية التكتلات الاقليمية إلى ثنائية توسيع التكتلات وتعميقها. فتعميق هذه التكتلات، أي توطيد مؤسساتها الجماعية والقوانين والنظم العابرة للدول والجامعة لها، قد يؤدي الى عرقلة توسيعها، أي ضم اعضاء جدد اليها. هكذا أدى تعميق التكتل بين الدول الأوروبية التي أسست الاتحاد عام 1957 الى عرقلة توسعها، إذ رفضت بريطانيا الانضمام الى السوق الأوروبية المشتركة على أساس انها تنال من استقلالها.
بالمقابل فإن توسيع التكتل الاقليمي قد يكون على حساب تعميقه. هذا ما حدث في الاتحاد الأوروبي في السنوات الاخيرة. فلا ريب أن انضمام دول أوروبا الشرقية الى الاتحاد وارتفاع عدد اعضائه الى 27 عضواً أضعف تماسكه وعرقل تعميقه. ولقد برزت بين دول الاتحاد القديمة في غرب وجنوب أوروبا، من جهة، ودول أوروبا الشرقية التي انضمت الى الاتحاد، خلافات صريحة على صعيد السياسة الخارجية، إذ إن مجموعة الدول الاخيرة توالي الولايات المتحدة، بينما المجموعة الاولى تفضل شق طريق مستقل عن واشنطن في السياسة الدولية.
التوازن الأفضل بين تعميق التكتلات الاقليمية وتوسيعها يحوم حول الرقم ،15 كما يقول اوبري ايملمان، استاذ علم النفس السياسي في جامعة مينيسوتا الامريكية. عندما تتجاوز التكتلات هذا العدد في عدد اعضائها فإنها تخسر الكثير من حيويتها ومن قدرتها على بلورة المواقف المشتركة وعلى تثميرها ووضعها موضع التطبيق. لقد تجاوز الاتحاد الأوروبي هذا الرقم خلال السنوات الماضية فكان من العوامل التي أدت الى إبطاء مسيرة “الفدرلة” الأوروبية. أما جامعة الدول العربية فقد تجاوزت هذا الرقم سنوات فكان توسعها السريع نسبياً هو أيضاً من العوامل التي أدت الى انحدار فاعليتها، هذا مع العلم بأن توسع جامعة الدول العربية لم يصاحبه سعي لتعميق النظام الاقليمي العربي وتوطيد أسسه كما كان الأمر في السوق الأوروبية ومن الاتحاد الأوروبي.
هل هناك من وسيلة لمعالجة هذه الحالة؟
في أوروبا يطالب الفدراليون الأوروبيون بتحويل الاتحاد الأوروبي الى بناء من طابقين: يضم الطابق الأول الدول التي تريد تعميق الاتحاد وصولاً الى اقامة “الولايات المتحدة الأوروبية”، أما الطابق الثاني، فيضم الدول التي تعارض هذا المشروع ولا تريد للاتحاد الأوروبي أن يتجاوز سقفه الراهن. الدعوة الى قيام أوروبا بطابقين تصطدم بمعارضة شديدة من مناهضي مشروع “الأوربة” خاصة في بريطانيا وأوروبا الشرقية. هذا في القارة الأوروبية، أما في الدول العربية فهل يمكن قيام جامعة عربية بطابقين أيضاً: طابق للذين يسعون الى تنمية النظام الاقليمي العربي، وآخر الى بقاء الوضع الراهن على حاله؟ هذا ممكن إذا توفرت بين النخب الحاكمة أو في اوساط الرأي العام. دعوة نشيطة الى اعتماد هذا النهج. في الوقت الراهن، لا يتوفر مثل هذا الشرط لا بين النخب الحاكمة ولا في أوساط الرأي العام بما في ذلك في أوساط الجماعات التي تطالب بتوحيد الجهود العربية تعميقاً وتوسيعاً.
رغيد الصلح - صحيفة " دار الخليج "
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018