ارشيف من :أخبار لبنانية

الاقتتال الفلسطيني والباطل "الإسرائيلي"

الاقتتال الفلسطيني والباطل "الإسرائيلي"

صحيفة "الخليج" - عدنان السيد
 
الدين من أجل الإنسان، وليس الانسان من أجل الدين. والله الذي استخلف الانسان لتعمير الأرض، أراد تكريمه لا تدميره عبر شعارات التكفير والتخوين والتهميش. في القرن الماضي كتب المفكر اللبناني جبران خليل جبران شعاراً شهيراً: “ويل لأمة كثُرت فيها طوائفها وقلّ فيها الدين”. وما يجري اليوم في بلاد المسلمين من باكستان وأفغانستان شرقاً إلى شواطئ إفريقيا الأطلسية غرباً يشير إلى كثرة الطوائف، أو ما يمكن تسميته بالملل والنِحل، دون التزام بجوهر الشريعة الاسلامية وهو الخير العام، أو الصالح العام.

وما جرى ويجري في قطاع غزة يطرح علامات استفهام على مصير هذه الجماعات المختلفة التي تستظل الدين من أجل الإعلان عن قيام (إمارة) هنا، أو سلطة هناك، وبتنا نشهد نماذج متكررة لهذه الحالة من أفغانستان إلى العراق، ومن فلسطين - كل فلسطين - إلى لبنان والصومال والجزائر وغيرها من بلاد العرب والمسلمين، يكفي التأمل بالحالة الصومالية؟

نرجو ألا يستنتج القارئ بسرعة أننا ندين كل الجماعات الاسلامية التي توضع في خانة الأصولية، فلهذا التوصيف أكثر من رأي، ويحتاج إلى دراسات معمقة بعيداً من التنابذ، ثمة جماعات مجاهدة بحق، أو هي تسعى للخير العام - جوهر الشريعة - بعيداً عن بريق السلطة، وهناك أفراد مقاومون للباطل، وعاملون من أجل الصالح العام فكراً ونضالاً، بيدأن حالة (جند أنصار الله) في غزة تستدعي التأمل والتفكير.


كيف نشأت هذه الجماعة في ظل سلطة حركة حماس التي تكرست منذ سنتين؟ ومن هي الجهات المموّلة والداعمة؟


كان من المفترض أن تعي حركتا “فتح” و”حماس” بأن الاقتتال بينهما سيقود الى فلتان أمني غير مسبوق، مع ضرورة الاشارة إلى أن فكرة الانقسام الفلسطيني في الأساس مدمرة لمطلب التحرر وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.


في إطار الفلتان الحاصل، والعاجز عن ضبط الحركة الاجتماعية الفلسطينية، تُشرع أبواب فلسطين أمام تدخلات أجهزة الأمن والاستخبارات بدءاً من “الموساد”، وكيف إذا كانت ساحات العالم الإسلامية بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 حافلة بالانقسامات تحت ضغوط الموروث السلبي من التاريخ، والحرب على الارهاب التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش.

هناك هزال سياسي مدمر، عندما يعلن إمام مسجد مع بضع عشرات من المريدين عن قيام “إمارة إسلامية” ويطالب السلطة القائمة - بصرف النظر عن طبيعتها وقوتها - بتسليم سلاحها.

ولا حاجة، والحال هذه، الى تذكير القيمين على هذه الجماعات بمبادئ أساسية في الفكر الاسلامي يجري انتهاكها يومياً مثل: اللجوء إلى الشورى في قضايا الشأن العام، وابتغاء الصالح العام الذي لا يلتقي مع الاقتتال الداخلي المدمر، والسعي نحو العدل والحرية.

قبل سنوات على الحرب الأفغانية القائمة، نشأت (إمارات) السلطات المختلفة في بلاد الأفغان، واقتتلت حتى الثمالة وسط مظاهر تخلف مريعة ظل يدفع ثمنها المواطن الأفغاني البائس، مهما كانت عشيرته، ومهما كانت إمارته، هل تستحضر فلسطين شيئاً من التجربة الأفغانية، بين حركاتها القائمة، وفي داخل كل حركة، وعلى جوانبها، حيث يسود منطق الغلبة على منطق وحدة الوطن، ووحدة الأمة؟


تستدعي هذه الحالات (الإسلاموية) وقفة مسؤولة من أولي الأمر في بلاد العرب والمسلمين، وقفة وطنية واحدة ووقفة قومية جامعة، ووقفة اسلامية حضارية في إطار التسامح والعمران البشري المنشود، ولعل الخطوة الأولى في ذلك تكمن في تفاهم تاريخي بين “فتح” و”حماس” بعيداً من المكائد الصهيونية، والوعود الكاذبة في بناء دولة من خلال تسوية حملة لم يحن أوانها بعد.


أخطر ما أصاب ويصيب قضية فلسطين أن تحتكر كل من حركتي “فتح” و”حماس” مطلب التحرير، ومطلب الدولة، واستطراداً مطلب السلطة. في هذه الحال لا قيمة لفكرة الشعب، أو الرأي العام، أو الإرادة الوطنية، في هذه الحال، تتصرف “إسرائيل” بكل مفردات قضية فلسطين بحرية بعيداً عن منطق الحق، وفي إطار الباطل المتمادي.

2009-08-22