ارشيف من :أخبار لبنانية
مراهنة الحريري وجعجع على إبعاد حزب اللّه عن الحكومة
صحيفة "الاخبار" - ابراهيم الأمين
مرة جديدة، إن السؤال عن حقيقة الموعد المفترض أن تخرج فيه الحكومة الجديدة إلى العلن، سيعود ليرتبط بتطورات ليست بيد من يدّعي أن في يده الأمر في لبنان، وخصوصاً من جانب آخر المجانين في فريق 14 آذار بقيادة سعد الحريري. ولم يعد هناك شك في أن الحريري ومن يقف خلفه، في القريب والبعيد، في انتظار خطوة ما آتية من الخارج. ولأن هناك الكثير من الأسباب التي تدعو إلى استبعاد الحرب الإسرائيلية المفاجئة على المقاومة في لبنان، فإن الأقرب أو ما يعرف بأنه في متناول اليد، فكرة قرار ظني يصدر عن المدّعي العام الدولي دانيال بلمار يتهم فيه عناصر من حزب الله بالتورّط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
المسألة تعود إلى القرار الأساسي الذي يقول بوجوب عدم تمثّل حزب الله في الحكومة الجديدة. وكلام الأكثرية وأقطابها، على رأسهم سعد الحريري، «تجليط بتجليط». لا أحد من هؤلاء يريد حزب الله في الحكومة، ولا يريد معه التيار الوطني الحر. أما بقية تشكيلات المعارضة أو شخصياتها، فإن هذا الفريق يعتقد أن من المفيد إقناعها بدخول الحكومة. والأمر يعود إلى حسابات لا تتصل بالفريق المذكور في لبنان، بل بحسابات السيد الأميركي ومن خلفه أو إلى جانبه كل اللاعبين الآخرين من السعودية ومصر إلى إسرائيل وأوروبا.
يوم جرت الانتخابات، ظن هذا الفريق أن نتائجها كافية لأن تُطوى صفحة حزب الله سياسياً، وأن العماد عون الذي يمثّل الغطاء المسيحي أو غير الشيعي، سينتكس هو الآخر. وتالياً، سيكون الحزب في حالة عزلة حقيقية تفرض عليه التنازل، وستضطر سوريا إلى العمل على إقناعه بالتراجع. ولم تمضِ أيام قليلة حتى اكتشف كل هذا الحشد أن نتائج الانتخابات ليست كفيلة بتعديل الوقائع، وأن المطلوب هو أكثر. ولأن الحرب القاسية جرّبت وبات عسكر إسرائيل مترددين في تكرار الأمر، رغم الحافزية الكبيرة لديهم، فإن السعي إلى محاصرة الحزب، أو إبعاده، تحتاج إلى خطوات عديدة.
في الملف الحكومي، كانت المفاجأة الأولى أن حزب الله لم يطلب ضمانات في شأن سلاح المقاومة، واعتبر الموضوع خارج النقاش، ما أفقد الفريق الآخر ورقة مساومة كبيرة. ثم كان صمت الحزب على كل ما قيل في شأن المحكمة الدولية، فكان أن راهن فريق الحريري على أن حزب الله سيخوض معركة واحدة اسمها الثلث المعطّل. وتالياً، سيكون هذا المطلب الحجة التي يعتمدها الحريري لاتهام الحزب بأنه يعطّل التركيبة الحكومية ويذهب إلى خطوة أحادية. ولمّا لم يحصل ذلك، لم تكن هناك من وسيلة جديدة سوى خلق مشكلة مع العماد ميشال عون لإدراك الحريري أن حزب الله لن يقبل الضغط على حليفه، ولن يدخل الحكومة من دونه. وترافق ذلك مع قبول دمشق تقديم التسهيلات اللازمة لتأليف الحكومة وإقامة علاقات خاصة مع الحريري نفسه. في لحظة واحدة، شعر فريق الحريري في الداخل والخارج بأن الأوراق تسقط واحدة تلو الأخرى، فكان ما هو متوقع لناحية عودة نواب وشخصيات وإعلام فريق الحريري إلى شن حملة على حزب الله، تارة بأنه يقف خلف موقف عون أو أنه لا يريد المساعدة على حل هذه المشكلة، وصولاً للعودة إلى الحديث عن سلاح داخلي تابع للحزب، كما هي حال مصطفى علوش.
في الخارج، لم تكن الصورة أكثر غموضاً. منذ اليوم الأول، تفضّل الولايات المتحدة، كذلك فرنسا ودوائر أخرى، أن تتألف حكومة وفق معايير يختارها الحريري، لكن دون مراضاة المعارضة. وبحسب أحد المطّلعين على الموقف الأميركي، فإن الولايات المتحدة لم تقل لفريقها لا تؤلّف الحكومة، لكنّها لم تقل له ألّف الحكومة. وهو الموقف الذي تعزّز بعد الخطوات المتسارعة للنائب وليد جنبلاط بإعلانه أنه ليس طرفاً في المعركة الهادفة إلى عزل حزب الله. ووفق المطّلعين أنفسهم، فإن الجميع الآن في الخارج في إجازة، من الولايات المتحدة إلى أوروبا إلى السعودية ومصر المشغولة بقضاياها الداخلية، ما يجعل من الصعب توقّع موقف حاسم. فكيف إذا كان الجانب الأميركي المعني بملف لبنان لا يزال متحمّساً لأن تؤلّف قوى 14 آذار حكومتها «المستقلة». لكنّ أصحاب هذا الرأي صُدموا بخطوة جنبلاط، وكانوا يتوقعونها بعد الحكومة، لناحية إعلان تمايزه عن 14 آذار وسعيه إلى علاقات خاصة مع حزب الله.
ويكشف المطّلعون أن جنبلاط يدرك تماماً أن فريق الأكثرية، ومن معه في الخارج، لا يريدون مشاركة حزب الله في الحكومة، وبعد سقوط الأوراق كلها، لم يعد هناك من بند سوى الحديث عن قرار ظني سيصدر عن المحكمة الدولية قريباً، ويسود اعتقاد قوي، على نطاق واسع، بأن القرار سيشير إلى حزب الله أو إلى أعضاء فيه باعتبارهم على صلة بجريمة اغتيال الحريري. وعندها، لن يكون منطقياً دخول الحزب الحكومة، وسيجري أيضاً العمل على إحراج حلفائه من الشيعة والمسيحيين. لكنّ جنبلاط قال كلاماً صريحاً، مذكّراً بالسابع من أيار: إذا حصل هذا الأمر، فإن حزب الله سيتحرك على الأرض، وساعتئذٍ لن يكون أحد في منأى عن مواجهته. و«لأن السنّة جُرِّبوا في بيروت ولم يقاتلوا، ولأن المسيحيين، بمن فيهم جعجع، يراهنون على عدم توجّه حزب الله نحوهم لكونهم تحت حماية العماد ميشال عون، فلن يبقى في مواجهة حزب الله إلّا الدروز». وتالياً، عاد جنبلاط إلى خلاصته: يريد سعد الحريري وسمير جعجع أن أقاتل حزب الله عنهما. هذا، لن يحصل!
فأي حكومة وحدة وطنية سوف تقوم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018