ارشيف من :أخبار لبنانية
هل ما زال الحريري قادراً على تشكيل حكومة كل لبنان؟
نبيل هيثم، السفير
المثير بعد «سفرة التفكير والتأمل والتدبر» التي أمضاها الرئيس المكلف سعد الحريري في الأرجاء الفرنسية، ان سعي فريق التأليف، لم يعد كما كان قبل تلك السفرة، منصبا في اتجاه البحث عن مخارج للازمة الحكومية واستغلال «الفرصة الذهبية» لتوليد حكومة الحريري التي سادت آنذاك، بل تحول في اتجاه التركيز على إلصاق تهمة التعطيل بالطرف الآخر وحلفائه الإقليميين.
يبدو الأمر أشبه بمحاولة حرف أنظار الجمهور والوسط السياسي عن جوهر الموضوع، أي التأليف، وإشغالهم بتقاذف كرة التعطيل الحكومي، وكأن في خلفية أصحاب هذا التوجه محاولة لتعويد الواقع السياسي على هذه اللغة السجالية، وحتى تحين ساعة الانتقال الى وجهة أخرى تتحدد وفق تطورات المشهد الإقليمي المحيط بلبنان والذي يبدو بوضوح انه يتحكم بقوة بمسار العملية السياسية الداخلية وموادها السجالية.
ما يحمل على الريبة وسط هذا الجو، ليس محاولة تكييف المسرح الداخلي من خلال لعبة «غسيل عقول» بضخ إعلامي مركز لتحوير الحقيقة ونسب التعطيل إلى الطرف الآخر، بل اقتران ذلك بافتعال سجالات خطيرة تحت عنوان «التعطيل العوني» للتأليف، والمثير فيها الهجوم المباشر على «حزب الله» وتحميله المسؤولية، سواء عبر أمانة «14 آذار»، او عبر نواب من كتلة المستقبل، الذين وصل احدهم وعبر «بيان مكتوب» ومدروس، الى شن حملة عنيفة على «حزب الله» استحضر فيها مفردات «الحزب الإلهي وحليفه الفارسي». بالتوازي مع اتهامات للحزب ببناء ميليشيات في طرابلس!
قد يعني ذلك، ان العودة بالسجال الى تلك اللغة، دليل على ان الامور تتداعى سلبيا، لكن الواضح ان «حزب الله» لا يقف عند تلك «الترويجات»، و«حتى لو كان يعرف مراميها، وحتى ولو كان في ذهن مطلقيها محاولة تحضير الارض لملاقاة تطورات معيّنة داخلية او خارجية». الا انه من الناحية الثانية يبدو اكثر عزما على رد الاتهام ومحاولة تضليل الرأي العام وقلب الحقائق، ومن هنا كان الدخول الأولي للحزب للرد على بيان أمانة «14 آذار» لتأكيد حق النائب ميشال عون بطلب الحقائب التي يريدها، واختيار من يمثله في الحكومة، ومن ثم دخول نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم لـ«رد الافتراءات» وصولا الى المصدر القيادي في الحزب لدحض «الكذب والافتراء».
في رأي مرجع قيادي في المعارضة ان دخول «حزب الله» الى ساحة السجال المباشر، أسس له الهجوم الممنهج والمدروس لقلب الحقائق، من قبل فريق له تجربة كبيرة في إدارة الإعلام ويمتلك قدرات هائلة في ادارة التلاعــب بالرأي العام، وتحوير الوقائع وإظهارها على غير حقيقــتها، ورميــها في سوق التداول السياسي، وبطريقة تعمي على مصدر التعطيل الحقيقي، وتلصق التهمة بـ«حزب الله» والنائب ميشال عون، الذي نجح الى حد كبير في رد الهجوم وإضعاف حجة المهاجمين.
وكما يقول المرجع القيادي المذكور فإن حزب الله، استعمل وزنه السياسي والاعلامي والمعنوي لاحباط هدف الطرف الآخر، ودخل في لغة سجالية عالية النبرة، بعدما لمس خطورة تبادل الادوار ضمن فريق التأليف، الذي تجلى في اعتماد لغة سياسية هادئة من جهة الرئيس المكلف، ومن جهة ثانية سريان لغة تحريضية ضد عون وهجومية ضد «حزب الله» على نحو ما برز في بيانات أمانة «14 آذار» التي يديرها عمليا تيار المستقبل، وكذلك في الهجوم المتجدد من بعض النواب الحاليين والسابقين. لقد بدا للحزب وحلفائه ان هذا الفريق يؤدي وظيفتين في آن واحد ومن هنا زادت علامات الاستفهام والشكوك حول ما يضمره.
وبحسب المرجع المذكور فإن النقاش الذي نزل من حافة الكلام عن التأليف والبحث في المخارج، الى مستوى تقاذف كرة التعطيل، دليل على ان فريق 14 آذار، بات مدركا، ان ليس هناك من فرصة لتشكيل حكومة في وقت قريب، ولهذا السبب يسعى هذا الفريق الى تحضير المسرح الداخلي ليكون متوائما مع بعض «السلبيات» التي يمكن ان تظهر في المرحلة المقبلة. وهنا يقول المرجع انه مرتاب جدا من حركة السفيرة الاميركية في الآونة الأخيرة، اضافة الى بعض الدبلوماسيين العرب في بيروت الذين باتوا يحرّضون علنا على «حزب الله» والجنرال عون، وحليفيهما السوري والإيراني.
ويخالف المرجع في المعارضة القائلين بإمكانية انتعاش الخط السوري السعودي في المدى المنظور، في ظل عدم وجود أي مؤشرات لمبادرة جديدة من هنا او من هناك. والامور ما زالت متوقفة عند النقطة التي انتهت اليها اللقاءات الاخيرة بين الموفدين السعوديين عبد العزيز بن عبد الله وعبد العزيز خوجة، والطرف السعودي اخذ على عاتقه تسويق اقتراحه، الذي وافقت عليه دمشق والمعارضة في لبنان. ما يعني عمليا ان دمشق تنتظر ومبادرة التحريك الفعلي في يد الرياض.
يقود ما تقدم الى السؤال التالي: في ظل هذا الوضع المتشنج سياسيا والمستعصي حكوميا، هل ما زال الرئيس المكلف قادرا على تشكيل حكومة كل لبنان؟
في اعتقاد مرجع سياسي، انه كلما طال التكليف، زاد النزف السياسي بشكل عام، قد لا تخسر المعارضة، على اعتبار انها ليست الجهة المثقلة بعبء التأليف، ولكن الوضع يختلف بالنسبة الى الرئيس المكلف، الذي اذا ما طالت الأزمة أكثر وتفاعلت على النحو الذي يجري فيه استحضار الخطاب الحربي، فقد يصبح الثمن السياسي الذي سيدفع اكبر بكثير مما يمكن ان تقدر اكثرية 14 آذار على دفعه، اذ قد لا يطيح طول الازمة بمسيرة التأليف فقط، بل بالتكليف بحد ذاته.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018