ارشيف من :أخبار لبنانية

آية الله فضل الله: لبنان سيظل ساحة للعصبية والتعقيدات التي تثقف السفراء الأجانب ثقافة دبلوماسية عالية

آية الله فضل الله: لبنان سيظل ساحة للعصبية والتعقيدات التي تثقف السفراء الأجانب ثقافة دبلوماسية عالية


رأى آية الله السيد محمد حسين فضل الله، أن لبنان سيظل محطة يتثقف فيها السفراء الأجانب ثقافة سياسية ودبلوماسية عالية من خلال كل هذه التعقيدات في التلاوين السياسية والمذهبية اللبنانية في الأرض السياسية المفتوحة على كل أنواع العصبية والعشائرية.

وأكد أنه ليس بيننا مقدس لا على مستوى رجال السياسة ولا على مستوى رجال الدين داعياً إلى ملاحقة أو محاسبة كل من يطلق مشروعاً أو فكرة، لأن من حق الناس نقد كل هؤلاء، مشدداً على إخراج الناس من دائرة العصبية الجوفاء والتبعية العمياء ومن الغيبوبة السياسية والمذهبية والطائفية.

أقامت جمعية المبرات التعليم الديني الإسلامي حفل إفطارها السنوي في ثانوية البتول طريق المطار، في حضور عدد من النواب والشخصيات والفاعليات الدينية والاجتماعية والسياسية، وألقى مدير عام الجمعية، الأستاذ محمد سماحة، كلمة عدد فيها انجازات الجمعية في المناحي التربوية والعلمية وتفوق طلابها وتميزهم في الامتحانات الرسمية.

ثم ألقى آية الله السيد محمد حسين فضل الله كلمة، جاء فيها:

إن واحدة من أعقد وأخطر المشاكل التي نعيشها في واقعنا العربي والإسلامي، والتي بدأت تنعكس على واقعنا اللبناني بخطورة متصاعدة، تتمثل في التعصب، حيث بدأنا نلتقي بجموع من المتعصبين مذهبياً، وحزبياً، وسياسياً، ومن أولئك الذين يلتزمون الأشخاص التزاماً عصبياً، فيرفضون توجيه أي نقد لهذه الشخصية السياسية أو تلك الشخصية المذهبية أو الدينية، حيث بدأنا نشهد ولادة العصبيات تعمل على مذهبة السياسة وتسييس حركة المذهب، وللأسف فإن بعض المرجعيات الدينية دخلت في هذه المعمعة مع علمها ومعرفتها بحديث الرسول الأكرم(ص): "من تعصب أو تُعصّب له خلع ربقة الإيمان من عنقه"، ومعرفتها بحديث الإمام زين العابدين(ع): إن العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يُحب الرجل قومه، ولكن أن يُعينهم على الظلم"... وقد أدى ذلك كله إلى تطويق حركة الانفتاح التي كانت نشطة في واقعنا العربي والإسلامي قبل عقود.

إن الخطورة تكمن في أن بعض من التزم الدين في حركة الواقع تأثر بأساليب حزبية وبطرائق عنفية ترفض الآخر على مستوى الدين نفسه، لا بل على مستوى المذهب نفسه، ما لا يمكن نسبته للدين أو المذهب، لأننا على المستوى الإسلامي نؤمن بالإسلام كرسالة للعالمين، وبالتالي فلا يمكن إيصال الرسالة للناس كلهم بعيداً من الانفتاح عليهم بالحوار القائم على الاعتراف بهم منذ انطلاقة هذا الحوار، كما أن أئمة المذاهب لم يريدوا للمذاهب أن تتحول إلى سجون يسجن فيها الاتباع أنفسهم، بل أن تكون منارات حوارية ومواقع علمية، ومساحات إسلامية مفتوحة على مستوى الأمة كلها.

لقد أدخلنا التعصب للزعامات في متاهات التقديس، تقديس السياسيين، وتقديس رجال الدين، ودخل الناس في أفخاخ الشرك بالله من هذه النوافذ، ولذلك بات علينا العمل من جديد على إعادة الناس إلى رشدهم وإخراجهم من هذه الذهنية التي تمثل الغيبوبة الطائفية والمذهبية والسياسية القاتلة.

لقد كنت أقول وما زلت: ليست بيننا شخصيات مقدسة، سواء أكانت دينية أم سياسية، مهما صنع لنا التعصب في هذا السياق، وإن كل شخص يُطلق فكره أو مشروعاً ينبغي أن يكون محل متابعة ومساءلة ومحاسبة من الناس، وإن من حق الناس أن تنقده، وأن تُفّند رأيه. لأنه ليس معصوماً وليس مقدساً، وهناك فرق بين أن نحترم هذا الشخص وبين أن نقدّسه، وعندما نحترمه، نحاوره، ونجادله، وندعوه إلى سلوك طريق الصواب، أو الطريق الأصوب، اما عندما نضعه في منزله القديسيين فلا حوار عندها ولا جدال بل تبعية عمياء وعصبية جوفاء... وعلينا أن نفرّق بين من هم في مواقع القيادة من خلال إنفتاحهم على الرأي الآخر، ودعوتهم الآخرين إلى نقدهم، وبين من يريد للناس أن تهتف وتصفق له كيفما شاء، لأن على القيادات إذا كانت أهلاً للمسؤولية أن تدعو الناس إلى نقدها كي تستقيم في خط المسؤولية السياسية والدينية.

إن لبنان لا يزال يمثل الساحة المفتوحة على تطورات المنطقة، ولا يزال الجمود الذي يلف بعض ملفات المنطقة يرمي بثقله على لبنان، ولذلك فإن البلد سيقف عند الكثير من المحطات التي تمثل محطات إنتظار وترقب أو محطات إنفتاح على أوضاع مطلة على المستقبل، وسيبقى البلد في مستقبله المنظور محطة تلتقي بها حساسيات بعض الدول والمحاور مع تعقيدات الداخل في هذا الجانب أو ذاك، وسيظل لبنان محطّة يتثقف فيها السفراء والأجانب ثقافة سياسية ودبلوماسية عالية من خلال كل هذه التعقيدات التي نخشى من أن تفتح عيون بعضهم على المزيد من تحريك عناصر التمذهب السياسي في الأرض السياسية المفتوحة على كل أنواع العصبية وعلى العشائرية السياسية التي تغذي التلاوين المذهبية وباتت تمثل مفتاحاً من المفاتيح السياسية الدولية في لبنان والمنطقة.

2009-08-24