ارشيف من :أخبار لبنانية
العماد عون : أي حكومة لا تلبّي حقوقنا لن تبصر النور
صحيفة "الاخبار" - ابراهيم الأمين
لم يكتف خصوم الجنرال بالحرب التدميرية التي شنّوها ضده في الأعوام القليلة الماضية. ولا تزال عواصم كبرى في العالم وفي المنطقة تقف إلى جانب قوى محلية في الوسطين الإسلامي والمسيحي تسعى إلى إطاحته بأي ثمن. ويريد الخصوم معركة تأليف الحكومة مناسبة لتوجيه الضربات إلى أكثر زعامات المسيحيين جدلاً
«واجه أحد الملوك أزمة مع أبناء رعيّته الذين اضطروا إلى شرب المياه من بئر تبيّن أن مياهها تسبّب لهم فقدان التوازن. وبدأ الملك يتحدث لغة غير مفهومة مع هؤلاء، فجاءه مستشاره بعد محاولات عدة وقال له: ليس أمامنا سوى أن نشرب من البئر نفسها، حينئذ نصبح مثلهم ونتفاهم، وهذا ما حصل».
يروي العماد ميشال عون هذه الرواية، ليشير إلى أن فريق 14 آذار يريد منه أن يشرب من البئر التي أضاعت صوابهم، حتى يكون هناك تفاهم في ما بينهم. لكنّه يلفت إلى أن المشكلة هي في أن قسماً كبيراً من قيادات الفريق الآخر لا يريد التعامل مع الأمور بواقعية، والتصرّف معه ومع التيار الوطني الحر على أساس حجم التمثيل الفعلي.
يقول عون باستغراب: أنا مواطن لبناني، لديّ ما يكفي من روح التمرد إلى أبعد الحدود وإلى آخر العمر. لكنني ابن بيئة تحترم التقاليد وتعدّ الصداقات والعلاقات الإنسانية شرطاً لاستمرار الحياة. لذلك لا يمكنني التصرّف بمعزل عن هذه الأمور. كيف يمكن سعد الحريري أن يدعوني إلى غداء أو عشاء، فيما يطلق من حوله حملة مسعورة ضدي وضد التيار وضد كل ما أمثّله. هل يظن أنني سأركض إليه لمجرد أنه دعاني.
ويضيف: المشكلة هي أنني تعاملت مثل الآخرين بواقعية مع الأوضاع، وكنت مستعداً وعملت على تسهيل مهمة الحريري في الوصول إلى حكومة وحدة وطنية، لكنّ الأمور لا تسير وفق حسابات تتجاوز الأحجام والقوى. نحن الآن نمثل مركز الثقل السياسي عند المسيحيين في لبنان، وكل الآخرين الذين تجمّعوا في مواجهتنا لم يفلحوا في النيل من تمثيلنا. ولقد خاضوا حرباً كونية ضدنا، لم يبق شيء إلا استخدموه، من المال الذي نقل في صناديق السيارات إلى أعمال الترهيب والتخويف للناس، إلى رفع شعارات كاذبة وإطلاق حملة افتراءات نسوها في اليوم التالي، وكل العالم القريب والبعيد كان معهم، ولم يبق إعلام ولا إعلان إلا استخدموه، بما في ذلك الكنيسة، ومع ذلك اكتشفوا أننا صمدنا وحققنا نتائج أفضل من السابق. لقد فعلوا معنا ما فعله العالم ضد حزب الله والمقاومة في عام 2006. لقد خاضوا حرباً تدميرية ضدي وضد التيار، ومع ذلك لم ينجحوا، بل إن الشارع المسيحي اكتشف في وقت سريع الكذب والنفاق وخلافه، وها هو الشارع يجري مراجعة، وأنا ألمس حجم التحوّل الإيجابي نحونا، وهم يلمسون ذلك، وبالتالي فإن محاولة استبعادنا أو تهميشنا أو تصغير حجمنا داخل مؤسسات الدولة لن تمر، وأنا أقول بصراحة، إن أي حكومة لا تلبّي حقوقنا لن تبصر النور».
والجنرال الذي خبر المواقف الإقليمية والدولية، يعرف أن التطورات الخارجية «ليست الآن في مصلحة تأليف حكومة، لكنّ ذلك لا يعفي أحداً من المسؤولية عن ترتيب بيتنا الداخلي. ولو أنهم يشعرون بأهمية هذا الأمر لعمدوا إلى تفاهم حقيقي معنا، وساعتها لن ينفع أي تدخل خارجي. وإلا فما هو السبب الحقيقي وراء عدم تأليف الحكومة حتى الآن؟ هل يريدون إيهام الناس بأننا نمثّل العقدة وهم يعرفون أننا لسنا السبب الحقيقي والناس يعرفون ذلك؟ هل هم يريدون الآن تكرار تجربة عام 2005؟ ألَم يفهموا بعد طبيعة النموذج الذي يحكم علاقة التيار الوطني الحر بحزب الله، والذي يحكم العلاقة بيني وبين السيد حسن نصر الله؟ كيف يفكّرون عندما يحاولون اللعب على هذا الأمر من جديد؟ هل هذه أجواء من يريد التوافق وتأليف حكومة وفاق وطني؟».
وقلة التفاؤل عند العماد عون بإمكان خروج التشكيلة الحكومية إلى الضوء قريباً لا تعني أنه لا يعطي الجهود فرصتها، لكنّه يلفت إلى أن مطالب التيار واضحة، «ولن يكون بعد اليوم جاهل لنا. إننا نمثّل القسم الأكبر من المسيحيين، ولن نقبل بتعيين موظفين ومديرين عامّين وغير ذلك من دون مشاركتنا في القرار، وبالتالي فإن حضورنا داخل الحكومة وداخل الوزارات أمر ضروري، ومن لا يرد لنا هذا الدور أو يرد مصادرته، فليبحث عن غيرنا، فنحن هنا لسنا لنغطّي أحداً».
عون الذي لا يدخل في تفاصيل الحوارات المتصلة بالملف الحكومي ومتفرعاته، يلفت إلى أن الحوارات الأولى مع الرئيس المكلّف كانت ودّية وإيجابية، لكن هناك الكثير من الخطوات غير المنطقية. «لم نتفق بعد على توزيع الحقائب، ولم يطرح أحد أسماء ممثّليه في الحكومة، وفجأة ينطلق الصراخ والسباب والشتائم في حملة لا يمكن أن أقول إن الحريري لا علاقة له بها، وهي تصدر عن نواب في كتلته وعن حلفاء له في تيار 14 آذار وعن وسائل إعلام وصحافيين يعملون عنده. فكيف يفسّر هو هذا التناقض بين كلامه في الجلسات المغلقة وهذه الحملة؟ هذا أمر لا يمكن السكوت عنه أو إمراره من دون مساءلة ومناقشة. ولذلك لست هنا في معرض تقديم التنازلات المجانية. أنا أمثّل قوة حقيقية، وأريد تمثيلاً يتناسب وهذه القوة داخل الحكومة، وإلا فلا يتحدثوا معنا عن حكومة شراكة ووفاق وطني».
ويشير عون إلى أنه حصل سابقاً العمل معه لعزل حزب الله، ويتذكر كيف كان قياديّون من قوى 14 آذار يأتونه ويناقشون مسألة عودته لتولّي موقعه ودوره الرئيسي داخل تيار 14 آذار، وكنت أسمع مطالبهم المباشرة بالسعي إلى عدم حصول أي تفاهم بيننا وبين حزب الله. كنت أعرف حتى قبل عودتي من فرنسا أنهم أصحاب مشروع للتصادم، وغير معنيين بالتفاهم، وبالتالي فإن كل المقدمات التي قاموا بها لعزل حزب الله تمهيداً للحرب الإسرائيلية كانت حاضرة أمامي، وأنا قلت لهم من اليوم الأول، إن هذه الأفكار تقود البلاد إلى الانهيار لا إلى العكس، والآن كل من يحاول أو يفكر في عزل طرف رئيسي يكون كمن يعمل على عزل طائفة بأكملها، وهو أمر سيضرب الوحدة الوطنية. لذلك، فإن تعزيز المناخ التوافقي لا يحصل من خلال خطوات شكلية من دون مضمون».
ويشير عون هنا إلى المساعي التي بُذلت لترتيب لقاء بينه وبين النائب وليد جنبلاط ليقول: «أنا لست ضد التفاهم مع أحد، لكنني أبحث عن مضمون لأي لقاء سياسي، ولست مهتماً بالشكل، وقلت للوسطاء إنني مستعد في أي وقت للقاء جنبلاط، لكن لنتفق على أن علينا البحث في أمور كثيرة، من بينها تعزيز آليات العيش المشترك في الجبل، وهو لا يريد ذلك، فلماذا يحصل اللقاء؟».
ومع أن عون لديه قراءات خاصة لمواقف جميع القوى الداخلية، إلا أنه يحرص على الاهتمام الآن أكثر بالتيار المؤيّد له: «لقد صمدوا معنا في أعنف معركة عرفها لبنان. كانوا صامدين في الانتخابات كما حصل في السابق، وهؤلاء يحق لهم أن نعمل بقوة لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم في بلد أفضل وفي حياة أفضل، ونحن لدينا تفويض منهم أخذناه على رغم كل ما شُنّ ضدنا، وأنا لن أفرّط بهذا التفويض. وأنا أشعر بالروح الخفية التي تحكم علاقتنا بهؤلاء الناس. قبل أيام قصدت جبيل لحضور مسرحية للرحابنة. بعد العرض، تمنّوا عليّ مصافحة الممثّلين وتحية الجمهور. كان هناك نحو خمسة آلاف شخص، وما إن رفعت يدي بعلامة الصح، حتى ارتفع الهتاف والتصفيق. أنا أعرف هذه الروح وأعرف أن هذه الفئة من الناس تستحق الكثير، وسأعمل لكي لا تُخذل من جديد، وعلينا أن نستعد بطريقة أفضل لعام 2013، ولمنع تكرار ما حصل».
لدى الجنرال الكثير ليقوم به في الفترة المقبلة، وهو يأمل ألا يكون هناك في لبنان اليوم من يفكر بطريقة تشبه ما حصل بعد انتخابات عام 2005. وإذا كان الخارج لديه مصالح وطموحات وأهداف، فنحن علينا واجب حماية البلاد وعدم أخذها نحو حروب ومواجهات لا تفيد أحداً. ويحذر الجنرال من «أن محاولة البعض العودة إلى نغمة عزل حزب الله أو العمل لضربه، تكون كمن لا يقرأ جيداً ما يحصل في بلادنا ومن حولنا، وربما يكون وليد جنبلاط أحد الذين فهموا هذه النقطة، وبالتالي بادر إلى خيار لحفظ مصالحه. لكن الأهم هو أن نحفظ مصالح الجميع ونحترم خصوصية الجميع، لا خصوصيتنا فقط».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018