ارشيف من :أخبار لبنانية

في 14 آذار رهان على دور سعودي لكبح اندفاعة جنبلاط نحو سوريا

في 14 آذار رهان على دور سعودي لكبح اندفاعة جنبلاط نحو سوريا

صحيفة "الاخبار" - ابراهيم الأمين

لا يبدو أن النقاش اكتمل لدى الفريق المحيط بالنائب وليد جنبلاط، والأسئلة حول المرحلة المقبلة لا تزال في إطار التوالد، وخصوصاً أن الورشة التنظيمية للحزب التقدمي الاشتراكي لن تقوم في وقت قصير، ويصعب على أحد توقع نتائج ذات أمداء بعيدة، قريباً. وإذا كان من الصعب توقع جدال واسع حول مواقف جنبلاط الأخيرة، فإن النقاش الأكبر يحصل الآن خارج الحلقات الرسمية، ويجري أكثر لدى المجموعات التي تحتاج على ما يبدو إلى تفسيرات إضافية من البيك لأسباب التحولات الجارية وأبعادها، علماً بأن مواقف جنبلاط الأخيرة ليست ثقيلة الحمل لدى غالبية كوادر الحزب، وخصوصاً أن الرجل لم يعلن قطيعة مع 14 آذار وشعاراتها، بل هو أعاد الاعتبار إلى مفردات وأدبيات لا يرفضها كوادر الحزب. كذلك فإن عدم إقدامه على خطوة عملية تجاه سوريا مثل زيارة دمشق خفف من حالة التردد التي سادت صفوف نشطاء كثر في محيط جنبلاط، بينما يلاحظ كثيرون أن النقاش والحركة ربما يكونان أوسع لدى المجموعات المتصلة بالمؤسسة الدينية، ولو أن الأخيرة لا تملك استقلالية خاصة تجعلها قادرة على تعطيل حركة الزعيم السياسي للطائفة.

لكن اللافت للأمر، أن بين قيادات وقوى 14 آذار من يعتقد بأن رحلة جنبلاط ليست أحادية الاتجاه، وهم يأملون أن لا يبتعد جنبلاط بعيداً لأنه قد يكون مضطراً للعودة إلى صفوف الأكثرية عاجلاً أو آجلاً. ويستند هؤلاء إلى مجموعة من العناصر، أبرزها على الإطلاق أن الجانب السعودي الذي تحول الجهة الوحيدة الراعية لجنبلاط، لا يحبّذ اندفاعته القوية التي برزت في الآونة الأخيرة، وأن الرياض تهتم لإعادة تموضع جنبلاط، لكن دون الانتقال إلى موقع آخر، وخصوصاً أن التفاهم الحقيقي والثابت بين السعودية وسوريا لم يقم بعد.

وحسب مطّلعين، فإن بعض قادة 14 آذار من الذين يلتقون جنبلاط أو مساعديه يسألون عن النتيجة التي حصل عليها جنبلاط جراء ما قام به. وهل هو يعتقد أنه إذا قرر الابتعاد عن 14 آذار سوف يجد موقعاً أقوى وأكثر فعالية لدى الطرف الآخر، أم هو كان موهوماً بأن رئاسة الجمهورية تصلح متراساً يقف خلفه ولو لبعض الوقت. ويقول هؤلاء، إن عدم قيام حملة حقيقية من قادة 14 آذار على جنبلاط، سببها تفهم غالبية هذه الاطراف لسعيه الى فك الاشتباك مع حزب الله ومع بعض حلفاء سوريا، وأن الرئيس المكلف سعد الحريري شجعه على خطوات من هذا النوع، لكن جنبلاط ذهب بعيداً عندما قال ما قاله في اجتماع البوريفاج. ويفترض هؤلاء أن جنبلاط ربما يكون الآن مهتماً حتى بترطيب الأجواء بينه وبين العماد ميشال عون ليقول إنه في حالة وئام مع جميع الاطراف اللبنانية، أو أقله انه ليس حالة صدام مع أي طرف سياسي أو طائفي في لبنان، وإنه دخل في هدنة مع سوريا لأنه لا يرى من داع لخوض معارك مفتوحة معها.

إلا أن اصحاب هذا الرأي يشيرون الى أن جنبلاط لا يمكنه خسارة الطرف الآخر، وهو يدرك أن كل اتصال مع حزب الله أو تفاهم مع سوريا يجب ألا يقوده الى مواجهة مع تيار «المستقبل» أو مع السعودية وأطراف أخرى عربية ودولية، وهو يعرف انعكاسات هذا الامر عليه في أكثر من جانب، وخصوصاً أن الكل يتحدث عن ثقة غير حقيقية قائمة الآن بينه وبين أطراف المعارضة.

لكن هل كان جنبلاط يتوقع مقابلاً من فريق المعارضة وسوريا على ما قام به أخيراً؟

الأرجح بحسب مطلعين، أن جنبلاط نفسه لم يكن ينتظر أي مقابل، بل هو بادر الى ما بادر إليه في إطار خطوات أحادية تستهدف إزالة التباسات قائمة، وتمنع أي انفجار إذا ما نشب توتر سياسي في البلاد على خلفية حدث ما داخلي أو إقليمي أو دولي. وبالتالي فهو يهتم بأن يتلقى رسائل من النوع العملاني على الارض. وهو يعرف بحسب خبرته في العلاقات مع سوريا أن عليه القيام بالكثير حتى يتحول طرفاً فاعلاً في جبهة جديدة، وبالتالي فإن جنبلاط ربما يكون الآن في صدد تجميد خطواته الانفتاحية ريثما تظهر حقيقة الوضع الحكومي وحقيقة التفاهمات الخارجية حيال لبنان، حتى يختار لنفسه موقعاً، سواء كان ذلك على شكل التحاق بجهة أو البقاء في موقع غامض كما هو الآن.

من جانب قوى المعارضة، فإن مزاج الجمهور لم ينتقل الى مرحلة تبنّي ما قام به جنبلاط، لا بل إن من المستغرب كيف أن الجمهور ترك لقياداته تدبّر الامر، مع ميل نحو تقبل كل ما يحصل من تفاهمات مع الرجل. لكن هذا الصورة ليست موجودة عند جميع قوى المعارضة. وإذا كان الرئيس نبيه بري أكثر حرارة في التعامل مع جنبلاط، فإن حزب الله يجيد إظهار الود حيث يجب والبرودة حيث يريد. لكن الامر يبدو مختلفاً عند قوى أخرى من بينها التيار الوطني الحر، الذي لم يجد بعد ما يخصه مباشرة من حركة جنبلاط، بل إن أزمة الثقة التي تتجاوز الاطار السياسي بين معارضة وموالاة الى الثغر التي تحكم العلاقات بين المسيحيين والدروز، ترخي بظلها القوي على موقف التيار الوطني الحر من جنبلاط، وربما لهذا السبب لم يكن هناك استعجال للقاء الصورة بين العماد ميشال عون وجنبلاط.
مرة جديدة، يقف جنبلاط أمام استحقاق الامتحان، وهذه المرة تنهال الاسئلة عليه من الجانبين، فيما لا يقدر أحد على منحه علامة رسوب أو نجاح.


2009-08-26