ارشيف من :أخبار لبنانية
من أين يأتي أمر تشكيل الحكومة؟
العميد المتقاعد امين محمد حطيط - السفير
اذا اعتمد النظام الديموقراطي الصحيح، اي اجراء انتخابات تنبثق عنها اكثرية نيابية تعكس اكثرية شعبية، فإن تشكيل الحكومة يكون عادة امراً غير معقد، حيث يكون ثمرة لقرار الاكثرية التي تتشكل من حزب واحد، او تكون ثمرة ائتلاف قوى متعددة تتلاقى على سياسة واحدة. وهنا يصح القول ان الاكثرية تحكم والاقلية تعارض. اما في بلد كلبنان الذي اختار بالنص الدستوري النظام الديموقراطي، فلا ينتظم هذا الامر لان الدستور نفسه، نسفه في مواطن اخرى، عندما نص على مراعاة العيش المشترك أي على تمثيل الطوائف كلها في الحكومة. وعندما نقول تمثيل الطائفة فان المنطق يفرض القول بتمثيل الفئة التي تمثل هذه الطائفة او تلك وصولاً الى القول بان تشكيل الحكومة في لبنان، لا يكون نتيجة قرار اكثرية نيابة عامة محسوبة على اساس مجموع النواب في لبنان، بل انها ثمرة اتفاق الاكثريات النيابية التي تمثل الطوائف اللبنانية المعترف بها قانونا، وأي حديث خلاف ذلك يعني مهما تذاكى بعض «فقهاء الدستور» تجاوزا للنظام اللبناني بذاته. فالحقيقة القاطعة هي ان لا شرعية لأي حكومة في لبنان ان لم تكن الطوائف فيها ممثلة (عبر اكثرياتها ).
وإذا عدنا الى نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة نرى ان هذه الاكثريات الطائفية تشكلت من، تيار المستقبل عن السنة، والائتلاف الشيعي حزب الله ـ امل عن الشيعة، وتكتل التغيير والاصلاح (اساسه التيار الوطني الحر) عن المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً، والحزب التقدمي الاشتراكي عن الدروز. والمنطق الذي عرضنا لنتائجه اعلاه يقول بان احترام الدستور يعني تشكيل حكومة من ائتلاف بين القوى الطائفية الاساسية في البلاد.
لكن مشكلة لبنان تكمن في انه ارض عليه شعب لا يملك قراره، وشعب يديره اشخاص يدعون وجود دولة وينادون بتعزيزها او تقويتها لتسليمها كل شأن. والحقيقة هي انه لا دولة في لبنان ولا من يحزنون عليها. فالدولة الجامعة حلم او سراب، وتقوم مكانها «شبه دويلات الطوائف» والزعامات الوراثية «التاريخية»، زعامات تستند في استمراريتها الى عصبية القبيلة في الداخل، والى دعم القوى الخارجية التي ترى مصالحها في لبنان، تتحقق عبر هذا الزعيم او ذاك فتدعمه ليستمر في زعامته، ويرد اليها الجميل بتأمين ما تطلب من «الوطن».
ولأن بعض القوى الخارجية النافذة والمعنية بلبنان اليوم لا ترى مصلحة لها في تشكيل حكومة للبنان تضم بفعالية كلا من حزب الله والتيار الوطني الحر فانها تمنع التشكيل الآن مراهنة على ظرف او بيئة جيو ـ سياسية ستتغير. ولسائل ان يسأل عن سبب الفيتو الموضوع. وهنا نقول بكل وضوح:
ـ يرفض حزب الله لانه ما زال بسلاحه المقاوم يشكل الشاهد الحقيقي على امكانية منع اسرائيل من تحقيق اهدافها في لبنان وعبره الى العالم العربي كما ويمنع تصفية القضية الفلسطنية على حساب لبنان من بوابة التوطين، وقد يشكل دخوله الآن عرقلة لخطة ميتشيل ولبحث ملفات اقليمية هامة.
ـ اما التيار الوطني الحر فهو الجهة اللبنانية الاساسية التي ترفض الخلل الفعلي في تطبيق النظام السياسي اللبناني الذي جاء به اتفاق الطائف والذي غلب طائفة او فئة على طوائف وفئات اخرى، وهو ينادي باعادة التوازن الى هذا النظام الطائفي، توازن يرى في تحققه اقفال الطريق على قرارات خطيرة تتهدد لبنان في توازنه وديموغرافيته وحق ابنائه في الشراكة في القرار الوطني.
وبكلمة اخرى، فإن حزب الله يشكل العقبة الميدانية امام المشروع الصهيوني، والتيار الوطني يعقد انتظام السلطة في يد من يدير لبنان تسهيلاً لهذا المشروع، وتتعاظم المخاطر على المشروع هذا مع تفاهم هذين التيارين السياسيين.
انها المشكلة التي يواجهها اصحاب المشروع الخارجي، ووكلاؤهم في الداخل اللبناني، ما يجعلهم يترددون في قرار تشكيل الحكومة اليوم. تردد لن يكسره الا:
ـ اضطراب امني يقود الى فتنة، وانفجار داخلي يهدد مصالح تلك القوى الخارجية المعرقلة لتشكيل الحكومة، ويشعرها بأن «التنازل» الجزئي يبقى افضل بكثير من الخسارة الكلية.
ـ تراجع خارجي عن التأخير عندما يتيقن الخارج هذا من ان تجميد التشكيل قد استنفد اهدافه، او ان تغيير البيئة الجيوسياسية امر عسير ولا فائدة من استمرار التأخير فيأذن عند ذلك بولادة الحكومة.
نقول ذلك لان الفريق الذي في يده دستوريا امر تشكيل الحكومة لا يمكنه من جهة ان يتسبب في اغضاب القوى الخارجية تلك، ولا يمكنه تشكيل حكومة امر واقع يتخطى القوتين المعترض عليهما من جهة اخرى.
لكن هل الانفجار الداخلي ممكن؟ ثم من هي اطرافه؟ هنا نلاحظ ان فئات اختبرت الشارع في العام 2008، تعود الى تصعيد الخطاب السياسي الاستفزازي ضد القوى التي أُجبرت آنذاك على حسم الامر ومنع الفتنة، ما يثير السؤال الآخر: هل ظروف تلك الفئات تغيرت وبات بامكانها ان تحقق في الشارع اليوم ما فاتها تحقيقه بالامس؟ هنا نرانا من غير تردد نقول ان ظروف الفتنة في لبنان اليوم باتت اصعب بكثير عما كانت عليه خلال السنوات الاربع الماضية، ويكفي ان نلاحظ ان الحزب التقدمي الاشتراكي نأى بنفسه عن اي تفكير او حديث او نقاش يجعله طرفاً في هذه الفتنة حتى نقول ان الحديث اليوم عن «حرب اهلية» او فتنة سنية شيعية في لبنان، يعتبر اليوم ضرباً من الوهم والخيال لا يصرف وقته فيه الا مبتدئ في الامن والسياسة او غير متوازن في تحليل معطياتهما. لكن هذا لا يعني إحجام بعض الفئات عن التخطيط لحوادث مخلة بالامن واستهداف هذه المنطقة او تلك او هذه الشخصية او غيرها، والأخطر من كل ذلك احتمال التعرض للقوى الامنية والعسكرية، استفادة من جو الفراغ السياسي في البلاد الذي يرى فيه «العابثون» بيئتهم المثلى للتحرك.
لا نأمل كثيرا «باستقلال القرار الوطني بالتشكيل». ويبقى القرار الخارجي، الذي سيكون للأسف وحده «الرحم» الذي منه ستولد حكومة تحكم لبنان، وهو قرار يرتبط بملفات اقليمية ودولية عدة سيكون نقاشها في سقف زمني ممتد من منتصف ايلول الى آخر تشرين الاول المقبل. فإذا توافق متداولو تلك الملفات على نتيجة مبدئية او وقعوا اتفاقات تمهيدية لملفاتهم فانهم سيأذنون، او سيأمرون بتشكيل الحكومة التي تعكس الصورة التي تكون اتفاقاتهم عليها. وإلا فإنهم لن يفعلوا ما دام لأحد منهم امل بتغيير موازين القوى ولن يسلم ورقة لبنان التي بيده طوعاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018