ارشيف من :أخبار لبنانية

روسيا الرجل المريض الجديد!

روسيا الرجل المريض الجديد!

  خلال حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي أدرك حلف الناتو أهمية الدور الذي تلعبه التقنية في صراع العملاقين ومن ثم أنشأ لجنة عرفت اختصارا باسم (كوكوم) كانت مهمتها بناء «ستار حديدي» لمنع التقنية الغربية من الانتقال لدول حلف وارسو، وبخاصة التكنولوجيات العسكرية والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج (مدني/ عسكري).
 

وضمت كوكوم التي كانت تجتمع بشكل دوري في السفارة الأميركية بباريس دول حلف الناتو بالإضافة إلى اليابان. ومع استمرار عملها أصبحت قيودها موضع جدل انصب معظمه على الخسائر التي تصيب الشركات الغربية بسبب منع كوكوم من إتمام بعض صفقاتها، وفي إطار الجدل تم تكليف خبير أميركي بتقييم جدوى عملها فطرح فرضا مثيرا.
 

الخبير الأميركي تساءل عما إذا كان منع التكنولوجيات المتقدة لدول حلف وارسو هو ما يحقق الأمن لدول الناتو أم تمكينها من الحصول عليها؟ وكان المنطق الذي تبناه الخبير: فإذا كان حدوث خطأ في أنظمة الكومبيوتر تجعل السوفييت يتصورون أنهم معرضون لهجوم بالصواريخ واحداً من الأسباب الأكثر احتمالا لنشوب حرب عالمية ثالثة فهل يجب على الغرب أن يمد السوفييت بأفضل أجهزة الكومبيوتر؟ وهى صياغة أخرى للسؤال المثير للجدل: هل الغرب مستفيد أم متضرر من فرض الرقابة على تصدير التقنية؟
 

ورغم أن السؤال الذي يحمل الإجابة في طياته كان مجرد تفسير غير مألوف إلا أنه يشير إلى منطق لم يألفه الخطاب التحليلي العربي في التعامل مع العلاقات الدولية، فحتى الخصم يمكن أن يكون ضعفه مصدر خطر!
 

وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت القوى الكبرى في أوروبا مشغولة بمخاطر انهيار الإمبراطورية العثمانية فظهر مصطلح «الرجل المريض» للإشارة إلى عملية التداعي التي كانت تشهدها هذه الإمبراطورية، وخلال أكثر من مئة سنة أدارت القوى الأوروبية الكبرى عملية مخططة لإبطاء الانهيار حتى لا تنجم عنه فوضى يصعب التحكم فيها. وقد عبر هنري كيسنجر عن هذه القناعة في كتابه «الدبلوماسية» عندما قال إن المهمة الأصعب على أي مؤسسة دبلوماسية هو العمل في ظل انهيار إمبراطورية!
 

ويبدو أن حالة الخوف من انهيار إمبراطورية تتجدد الآن لكن الإمبراطورية التي يخشى من انهيارها هي روسيا التي ستعيد إلى التداول في السياسة الدولية مصطلح «الرجل المريض». وحسب تقرير عنوانه «الخوف من ضعف روسيا» نشرته الفورين بوليسي فإنه إذا استمر فشل موسكو فقد يصبح العالم أكثر خطورة. والشواهد التي بني عليها التقرير فرضية اتجاه روسيا نحو الضعف هي نفسها ؟
 

تقريبا ؟ الشواهد التي تتكرر في الخطاب التحليلي العربي كمؤشرات على قوة روسيا، ما قد يبرر القلق شأن الطريقة التي نقرأ بها الوقائع وندرك دلالاتها!
 

المؤشر الأول حادثة رصد غواصات روسية تعمل قبالة السواحل الأميركية في واقعة غير مسبوقة والأهم رد الفعل العسكري الأميركي الذي اتسم باللامبالاة، فقد اعتبر الحادث مؤشرا على إحساس روسي عميق بالضعف بعد سلسلة من الأحداث المحرجة المتمثلة في فشل عدة تجارب عسكرية روسية مهمة والأداء المتواضع للجيش الروسي خلال حرب جورجيا 2008.
 

وتعاني روسيا بحسب التقرير تدهورا شاملا عسكريا وسياسيا واقتصاديا. وفي مقابلة أجرتها معه مؤخرا وول ستريت جورنال قبل زيارته لجورجيا وأوكرانيا حذر نائب الرئيس الاميركى جوزيف بيدن من أن ضعف روسيا يمكن أن يكون ضد مصالح أميركا!
 

وفي الحقيقة فإن هناك قناعة بأن وجود روسيا ضعيفة ليس في مصلحة أحد، بل إن افتقارها للاستقرار قد يكون أكثر خطورة. وقد كشفت الأزمة الاقتصادية العالمية مشكلات خطيرة في الاقتصاد الروسي جعلت الأضرار التي أصابته أكبر بكثير مما كان متوقعا، والتحسن الذي طرأ مؤخرا على الاقتصاد الروسي سيكون قصير الأجل.
 

والتوازن الذي يحققه وجود روسيا قوية يمنع العديد من المشكلات التي يمكن أن تنفجر في نطاق جغرافي واسع داخلها وحولها، صحيح أن حلف الناتو بمشروعات توسعه المثيرة للجدل أثار احتجاجات روسية لكن العلاقات الأطلسية الروسية تظل دعامة من أهم دعامات الأمن الدولي، وبالتالي فإن السقف الذي يحكم العلاقة هو الحفاظ على الاستقرار والجمع بين التنافس والتعاون.
 

والأهمية الرئيسة لهذا النموذج في قراءة مؤشرات العلاقات الدولية أن دولا عربية وإقليمية ما زالت تراهن على روسيا كقوة دولة قادرة على موازنة النفوذ الأميركي، ويغذي ذلك خطاب يدفع باتجاه الاعتماد في ملفات تمس أهم قضايا المستقبل على استعادة روسيا قوتها.
 

فهل يمكن الاطمئنان على مستقبل يستند في المقام الأول على «عكاز رجل مريض»؟ 
 
ممدوح الشيخ - صحيفة " البيان " الاماراتية


2009-08-28