ارشيف من :أخبار لبنانية

التحكم بالمنطقة العربية شرط للزعامة الدولية

التحكم بالمنطقة العربية شرط للزعامة الدولية

تجدد الجدل في العالم الأطلسي خلال الآونة حول دور الزعامة الأمريكية الدولي وحول قدرة الولايات المتحدة على بسط “السلام الأمريكي” على العالم. ففي اعقاب انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية، كتب المؤرخ الامريكي البارز بول كيندي، الذي تنبأ في الثمانينات بانحسار “الامبراطورية الأمريكية”، مقالاً جاء فيه: “أن الخاسر الأكبر في هذه الأزمة هو العم سام” وأن العجز المالي المستوطن والتورط الأمريكي في مناطق عديدة من العالم اخذا ينالان من المكانة الأمريكية. بالمقابل، اعتبر كيندي أن مركز التقدم التنكولوجي قد انتقل من الغرب الى الشرق على نحو لا يمكن إيقافه أو تغيير مساره.

ولم يكن في هذا التقييم المتجدد مفاجأة كبيرة، ففي خضم الأزمة المالية والمصاعب السياسية التي واجهتها إدارة جورج بوش خلال أيامها الأخيرة كثرت التقييمات والتنبؤات المشابهة داخل الولايات المتحدة وخارجها. ففي كلمة القاها بير شتاينبروك وزير الخارجية الألماني أمام مجلس النواب، توقع أن تترك الأزمة المالية آثارها البعيدة المدى على النظام الاقتصادي العالمي، والقى الوزير الالماني بالمسؤولية عن هذه الاوضاع على الولايات المتحدة وعلى ثقافة الربح التي اجتاحت العالم السكسوني. وقد اعتبر شتاينبك أن هذا الأمر سوف يقود الى فقدان الولايات المتحدة مكانتها كقوة عظمى في النظام العالمي خاتما كلامه بقوله إن “وول ستريت-السوق المالية الأمريكية - لن تعود ابدا الى ما كانت عليه”.

لم يبن أصحاب هذه النظرة تنبؤاتهم على الأوضاع المالية الصعبة التي تجتازها الولايات المتحدة فحسب، وانما أيضاً على تراجعها السياسي. في هذا المضمار ركز البعض على تراجع الزعامة الأمريكية في “عقر دارها” اي في القارة الأمريكية نفسها. فحتى السنوات الأخيرة وفي “ظل مبدأ مونرو” الذي منع الدول الكبرى الأخرى من التدخل في شؤون القارة، تمتعت الولايات المتحدة بسيطرة كبرى على دول أمريكا الجنوبية. ولكن هذا الوضع تغير بصورة ملموسة خلال الفترة الأخيرة حيث اتجهت أمريكا الجنوبية الى التحلل من السيطرة الأمريكية. حتى في أمريكا الشمالية حيث أسست واشنطن “نافتا” أي “سوق أمريكا الشمالية الحرة”، فإن القمة الأخيرة التي انعقدت خلال هذا الشهر دلت على خلافات مهمة بين الإدارة الأمريكية وبين الشريكين الكندي والمكسيكي.

هذه النظرة تعرضت الى نقد شديد من الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة تملك التفوق الساحق على أي منافس لها على الزعامة الدولية وانها تملك أيضاً القدرة على التجدد والخروج من أزماتها مهما كان حجمها. يقول هؤلاء إنه رغم مشاكل الولايات المتحدة المالية فإنها الأولى من حيث حجم اقتصادها إذ أن الناتج القومي الأمريكي يبلغ ربع الناتج العالمي كله، وهو يبلغ ثلاثة اضعاف الدولة التالية أي اليابان. والولايات المتحدة هي الثانية من حيث حجم التجارة الخارجية والأولى من حيث حجم الاستهلاك والاستيراد ما يجعلها “سوق العالم” بامتياز. كذلك تحتفظ الولايات المتحدة بالمركز الأول من حيث إنفاقها على البحوث.

وتحتل الولايات المتحدة المرتبة العشرين بين دول العالم من حيث نسبة إنفاقها العسكري بالمقارنة مع حجم اقتصادها (تسبقها في هذا المضمار سبع دول عربية!). إلا أن ميزانية الدفاع الأمريكية توازي تقريباً مجموع ميزانيات الدفاع في كافة دول العالم. وتمتاز الولايات المتحدة، من الناحية العسكرية، بقدرتها على التدخل خارج حدودها وفي أي مكان من العالم. ففي الوقت الذي تلكأت فيه دول أوروبا في التدخل العسكري في قضية البوسنة، تولت الولايات المتحدة هذا العمل وحسمت الصراع العسكري ضد الصرب. وقدرة الولايات المتحدة على استخدام العصا في السياسة الدولية لا يدانيها الا قدرتها على استخدام الجزرة أو “القوة اللينة”. فالولايات المتحدة تملك تفوقاً ساحقاً على منافسيها في مجالات الإعلام والسينما والموسيقا والنشر والاتصالات.

كل واحدة من وجهتي النظر الاثنتين تستندان الى حقائق من الصعب إنكارها. فلا شك في أن الولايات المتحدة تعاني اليوم من معضلات وتحديات كبرى وخاصة على الصعيد الاقتصادي، وعند أكثر المتفائلين من المؤمنين بالزعامة الأمريكية فإنها لن تستطيع الخروج من هذه المعضلات، إذا صحت التقديرات، الا بعد سنوات. ولا ريب من، ناحية أخرى، أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى في العالم وليس في عالم اليوم من يزاحمها على هذا المنصب. كل ذلك صحيح إذا ركزنا على الوضع العالمي الراهن. ولكن هل من المستطاع التنبؤ أو الحكم على مستقبل الولايات المتحدة وكأنه باقٍ الى الأبد؟

يسلط تقرير نشرته مجلة “الايكونومست” البريطانية (15/8/9) الأنظار على حجم المتغيرات التي تؤثر في الأوضاع العالمية وخاصة على الصعيد الاقتصادي. وأهم في ما في التقرير ليس الإحصاءات والمعلومات التي تبين استمرار الاقتصاد الآسيوي في الصعود في وقت يتراجع فيه الاقتصاد الأمريكي، بل أهم ما فيه هو المعلومات التي يقدمها حول طبيعية المرحلة الجديدة من النهوض الآسيوي.

فخلال العقود السابقة، كان النهوض الاقتصادي الآسيوي يعتمد على حجم الصادرات الآسيوية خاصة الصينية الى الولايات المتحدة. خلال السنوات الأخيرة بدأ الآسيويون والصين في الطليعة منهم، يتوجهون الى الأسواق الأخرى خاصة الى الأسواق الآسيوية. هذه الظروف الجديدة تشير الى نهاية شكل من أشكال تبعية الدول النامية الى الدول الصناعية القديمة. هذا التحول بدأ على الصعيد الاقتصادي ولكن نتائجه السياسية والاستراتيجية بدأت تخرج أيضا الى العلن. فهل يمكن أن نستنتج من ذلك ما هو مهم بالنسبة الى المنطقة العربية؟

هذا الجدل ليس اكاديمياً ومعرفياً بحتاً. فضلاً عن ذلك فهو لا يتعلق بمستقبل الأوضاع في العالم الاطلسي وحده. إن هذا الجدل يعكس الى حد بعيد الصراع في الولايات المتحدة وفي العالم الاطلسي بين مدرستين مختلفتين في العلاقات الدولية: المدرسة الآحادية القومية المتشددة، والمدرسة التعددية الليبرالية. وقد يعتبر البعض عندنا هذا الجدل من الهموم الأمريكية والاطلسية التي لا تهم كثيراً العرب والمنطقة العربية، نظرة خاطئة تماماً. ذلك أن المنطقة العربية، واستطراداً الأوسطية، هي أرض الصراع بين هاتين المدرستين.

إن نسبة عالية من الذين يؤكدون على الزعامة الأمريكية، يربطون ذلك بقدرة الولايات المتحدة على “التحكم بالمنطقة العربية” وعلى “ضمان أمن إسرائيل” كما يقول جوزيف جوفي المدير المشارك ل “دي زيت”، أهم المجلات الأسبوعية الالمانية، في مقال سيظهر في العدد المقبل من مجلة “فورين افيرز” الأمريكية الدولية المعروفة. أن انتصار هذا التيار الذي كان جورج بوش عنوانا رئيسيا من عناوينه، سوف يلحق بالمنطقة العربية الأذى الشديد.

ولكن هذا الأذى لن يلحق بالمنطقة وحدها بل سوف تمتد اضراره لكي تشمل الولايات المتحدة نفسها والعالم بأسره. الطريق الى انقاذ المنطقة العربية والولايات المتحدة معا يمر عبر بوابة التعددية الدولية وليس عبر مشاريع الآحاديين الأمريكيين.

رغيد الصلح - صحيفة " القدس "

2009-08-29