ارشيف من :أخبار عالمية

أهالي بلدة مغر المير لـ’العهد’: هكذا رد المسلحون على جميل استقبالنا لعائلاتهم

أهالي بلدة مغر المير لـ’العهد’: هكذا رد المسلحون على جميل استقبالنا لعائلاتهم

عاد أهالي بلدة مغر المير برفقة الجيش السوري لتفقد بلدتهم الواقعة في سفوح جبل الشيخ بعد تحريرها من إرهابيي جبهة "النصرة" مؤخرا. بالنسبة لهم لم يكن حجم الدمار الكبير مفاجئا في القرية التي كانت نقطة الاشتباك الأخيرة قبيل التوصل إلى التسوية التي قضت بخروج الإرهابيين مع عائلاتهم إلى درعا وإدلب ولكن غصة كبرى اعتمرت قلوب كل من التقيناهم هناك. غصة تختصر حالة الغدر التي قام بها "جيرانهم"  المسلحون من أبناء قرى بيت جن ومزرعتها وغيرهم من القرى، الذين أوفدوا عائلاتهم قبل سنوات إلى البلدة الآمنة بعد اشتداد المعارك مع الجيش السوري الذي راح يرد على استفزازاتهم المتكررة. حينها ترفّع أهالي المغر عن خلافاتهم السياسية والعقائدية مع المسلحين وقاموا بما تمليه عليهم الجيرة والمواطنة من احتضان عائلاتهم قبل أن يتنكر هؤلاء للمعروف ويرشدوا أبناءهم المسلحين إلى طرق القرية التي كانت فضيلة أهلها " حصان طروادة" الذي قادها إلى السقوط.   

توثق أم غياث بشاشة نقالها الصغيرة لمشهد بيتها المدمر بعدما عاينته طويلا بعيونها المنكسرة مقفرا إلا من الذكريات، ترددنا قبل سؤالها لمن سترسل هذه المشاهد مخافة أن تغلبها الدموع المتربصة قهرا في محاجر عينيها، فطنت المرأة لترددنا فسارعت قائلة " منذ أن خرجنا من البلدة قبل سنتين وأنا وزوجي وأولادي نترقب كل خبر عن بيتنا وممتلكاتنا، وها أنا الآن أرسل لهم الصور إلى حيث يسكنون في بلدة قرفا المجاورة". هو توثيق للفجيعة إذاً ذلك الذي تقوم به أم غياث التي عادت إلى بيتها بعد ساعات من دخول الجيش السوري إلى البلدة والمنطقة لم تنظف بالكامل من الألغام، الأمر الذي جعل منها عبئا معنويا عليه لكن الجنود والضباط المنتصرين على الإرهاب رضخوا أمام إصرارها العجيب على مرافقتهم، رقوا لحالها شرط التزامها بالتعليمات الأمنية. تتذكر أم غياث كيف رفع مسلحو القرى المجاورة السلاح بوجه الجيش السوري وكيف جهروا بذلك من خلال مقاطع الفيديو التي بثوها على اليوتيوب. تتذكر كيف تريث الجيش في الصدام معهم على أمل أن يرتدعوا غير أنهم ازدادوا رعونة بعدما راحوا يهاجمون مواقع الجيش القريبة التي ارتقى فيها عدد من الشهداء ورغم أن الجيش السوري حيد المدنيين عن عمليات الرد التي كان يقوم بها ضد المسلحين فقد فوجئ أهالي بلدة مغر المير بقدوم أعداد كبيرة من عائلات المسلحين إلى البلدة بحجة " الخوف من المجهول". كان ذلك بداية الخديعة التي تلطت وراء فكرة إغاثة الملهوف فقد جاء هؤلاء بأمر عمليات وعادوا جميعاً إلى قراهم بأمر مشابه بعدما عاينوا القرية عن كثب وزودوا المسلحين بكل أسرار منعتها ليفاجأ أهالي المير عشية عودة أهالي المسلحين بهجوم لهؤلاء على القرية انتهى باحتلالها وسوم أهلها سوء العذاب ليعلو صوت أم غياث مجددا"،  لقد احتضناهم وساعدناهم بكل ما يمكننا فعله، أهكذا يكون جزاؤنا".

المروءة تغلب الظنون 

لم تكن أم غياث صوتا معزولا عن بقية أصوات القرية التي اتفقت دونما اتفاق على الشكوى ذاتها من "ناكري المعروف". كل الذين التقيناهم استهلوا حديثهم بهذه "الخبرية". أحد مقاتلي الدفاع الوطني في مغر المير قال لموقع "العهد" "عملنا على صون أعراض المسلحين كما نصون أعراضنا ولم ترتفع عين شاب من القرية ليؤذي سيدة أو امرأة منهم ولو بنظرة"، مضيفا "هذه أخلاقنا وقيمنا ولا نمن بها على أحد، ولكن رغم معرفتنا بطباعهم لم يخطر ببالنا أن الغدر سيأتي بهذه السرعة وعلى توقيت دخول المسلحين عقب خروج عائلاتهم مباشرة". بعض أهالي مغر المير كشفوا للعهد أن دخول بعض المسلحين إلى بيوتهم كان دخول  العارف بكل التفاصيل "لنفاجأ بعدها بأن المسلح ابن العائلة التي احتضناها".

أحد وجهاء المغر كشف لموقع "العهد" " كنا بحاجة لقرار حكيم وسريع عندما طرقت عائلات المسلحين أبوابنا، أدركنا أنه ربما يترتب على الأمر عواقب صعبة، لكننا فضلنا احترام تاريخنا في المروءة والفضيلة ونحن بنو معروف لذلك قدمنا استقبال ضيوفنا على أي اعتبار آخر فضلا عن أن علاقاتنا التاريخية مع جوارنا كانت محكومة بالود والتآخي قبيل قدوم الفكر التكفيري إلى المنطقة" .

الجيش السوري حينها لم يعترض على الخطوة، فمبدأ مساعدة كل النازحين من بيوتهم مبدأ أقرته الدولة السورية منذ بداية الأزمة وأعانت عليه بصرف النظر عن " طبيعة بيئة النازحين " فضلا عن ثقتها المطلقة بأهالي المغر وإدراكها أن الكثير من عائلات المسلحين رهينة ارتباطات أبنائهم الخارجية فلم يكن بإمكانها "التعميم في إطلاق النعوت" .

المسلحون: اكذب اكذب حتى يصدقوك 

بعد دخول المسلحين لبلدة المغر انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لمسلح يعلن فيه " تحرير بلدة مغر المير " وسيطرة ما يسمونهم " الثوار" عليها زاعما مباركة أهلها للخطوة دون أن يسند ذلك بدليل من أهالي القرية أنفسهم فيما تجلى الكذب الذي كشفه الواقع لاحقا بقول هذا المسلح " أنتم أهلنا، أعراضكم أعراضنا، ولن يمسكم أحد بأذى "كذب لم يصمد طويلا في ميدان الواقع إذ سرعان ما بدأت عمليات الخطف والتهجير والتصفية وسرقة الممتلكات تظهرعلى الملأ. لم يكن الفيديو أكثر من " دعاية ممجوجة وبائسة لقتلة يريدون أن يلبسوا ثوب التسامح الذي بدا فضفاضا عليهم" كما أخبرنا أهل القرية. 

التسامح يبقى العنوان

عند اشتداد المعارك على تخوم بلدة المغر وسيطرة الجيش السوري على التلال الحاكمة القريبة باتت البلدة "بحكم الساقطة عسكريا". حينها تنفس أهلها الصعداء وتجهزوا لدخولها "فاتحين" وفودا من السويداء وجرمانا ودمشق قدمت لتشاركهم الفرحة، الأخبار القادمة من " المحيط المسلح" كشفت عن قيام المسلحين وعشية التسوية بإحراق مقارهم كي لا تكشف طبيعة ارتباطهم بالعدو الصهيوني، لكن آخر فصول الغدر كشفت عن قيام  مسلحي "النصرة"، وعلى خلفيات إيديولوجية بنبش القبور التابعة للمحيط "المغاير عقائديا "كان المشهد ممعنا في قسوته وتجلت تداعياته في بلدة "حينة" المجاورة التي توعد أهلها بمنع حافلات المسلحين الذاهبة إلى إدلب ودرعا من المرور قبالة قريتهم التي دفعت فاتورة كبيرة من الشهداء والمخطوفين فضلا عن السقوط اليومي لقذائف الهاون على أبنائهم وممتلكاتهم. كاد الوعيد يتحول إلى حقيقة لولا تدخل الجيش السوري لتهدئة الخواطر. نزل هؤلاء عند  رغبة الجيش في التهدئة شأنهم شأن أهالي المير وبقية القرى، فقد انشغلوا عن ذكرياتهم المريرة بواقع آخر، فقد كانت حافلات المسلحين تغادر المنطقة كما تغادر الهموم الذاكرة مفسحة لواقع أكثر سعادة، واقع يقول بأنه مع آخر حافلة للمسلحين ابتلعها ضباب جبل الشيخ وهي متوجهة نحو ادلب ودرعا تكون منطقة غوطة دمشق الغربية وريفها الجنوبي الغربي قد أعلنت خالية من الإرهاب بشكل كامل، وما أروعه من عزاء ينشغل صاحبه به عن ماض أسود قريب بعيد.

2018-01-03